بوجودها، وتدبيرها لهذا الكون العظيم، ومن ذلك ما نراه في إسرائيليات اليهود
فإنهم ذهبوا إلى أن لكل شيء في هذا العالم ملكا قائما بتدبيره، فقالوا إن للمرض
ملكا، وكذلك للنار، وللماء، وللوحوش، وللطيور، ولسائر الحيوانات، وللريح
وللرعد، وللشجر لكل منها ملك، وللموت ملكان واحد يقبض أرواح القاطنين
بأرض إسرائيل، وآخر يقبض أرواح غيرهم من الساكنين في سائر البقاع الأخرى
ولم يكفهم ذلك، بل زعموا أن الوباء (الطاعون) إذا انتشر فيهم؛ كان بسبب
ملاك يرسله الله تعالى إليهم، ومن ذلك ما روي في سفر صموئيل الثاني (إصحاح
24: 15 - 17) أن داود رأى الملاك الذي ضرب بني إسرائيل بالوباء فمات
منهم 70 ألف رجل.
وقد دخلت هذه الإسرائيليات في الإسلام مع من دخلوا فيه من أهل الكتاب،
وقال المسلمون بملائكة كملائكة اليهود، مع أن القرآن الشريف لم يثبت إلا وجود
القليل منها كما هو معلوم، على أن لنا في فهم معنى كلمة " ملك " وجها آخر غير
ما يفهمه أكثر الناس، وذلك أن هذا اللفظ مشتق من (مألك) بضم اللام وفتحها،
وهو اسم الرسالة، وقيل مأخوذ من لفظ (لأك) إذا أرسل، وعليه فكلمة ملك تطلق
على كل رسول [3] .
فما يرسله الله تعالى إلى هذا العالم من المادة، أو قواها يصح لغة أن يسمى
ملكا بلا نزاع، فالريح يسمى ملكا، أو رسولا من الله؛ ولذلك قال تعالى في الرياح:
﴿والمرسلات عرفا﴾ (المرسلات: 1) والرعد كذلك ملك؛ لأنه يرسله الله
تعالى لتخويف عباده، وهكذا مما في هذا الكون من قوى المادة العظيمة كالمغنطيس
والكهرباء، وإلى هذا الرأي يشير قوله تعالى: {ويسبح الرعد بحمده والملائكة من
خيفته} (الرعد: 13) فإن الواجب أن تكون بين المعطوفات مناسبة، فعطف
الملائكة على الرعد يشير إلى أن المراد منها بعض القوى الطبيعية كالكهرباء التي
تحدث الرعد والبرق، ولعدم فهم المفسرين هذه المناسبة في هذا العطف زعموا أن
للرعد ملكا بالمعنى الذي يفهمونه [4] ، ونحن إذا سمعنا قوله تعالى: {قل يتوفاكم
ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة: 11) لا يتعين عندنا أن نفهم منه ما
يفهمون فعزرائيل [5] لم يرد ذكر اسمه في القرآن، ولا في سنة صحيحة، وإنما هو
اسم مشهور عند اليهود كانوا يسمون به بعض الناس وله عندهم عدة صيغ أخرى؛
ولذلك لا نؤمن بوجوده.
والذي أراه أن الميكروبات هي من رسل الله في هذا العالم، فيجوز أن تسمى
ملائكة، ومنها ما يحدث الأمراض المختلفة، ولا تتحلل جثث جميع الموتى إلا
بالميكروبات، فإذا انحلت الجثث خرجت منها غازات، وعناصر، وأجسام متنوعة،
وإذا ذهبنا إلى أن الروح عبارة عن جزء من مادة الأثير متحد بالجسم لا نستبعد
خروج الروح عند انحلال الجسم بسبب عمل الميكروبات فيه، وعلى ذلك يحمل
قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم
أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون} (الأنعام: 93) الآية.
فغمرات الموت من (غمر) ومعناها وجود الجسم في أشد درجات الموت
التي تغمره، وهو وقت انحلال الجثة، وبسط اليد كناية عما تفعله الميكروبات بها
من التحليل والإفساد، وقد ورد مثل هذه العبارة كناية أو مجازا حتى في حق من
هو منزه عن الأعضاء والجوارح فقال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ (المائدة:
64) (وراجع 17: 30) وقوله: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ (الأنعام: 93) هو ما
تقوله الميكروبات بلسان حالها، كما قالت السموات والأرض ﴿أتينا طائعين﴾ (فصلت: 11) والتعبير عن الميكروبات بضمير العاقل هو سنة القرآن من أوله
إلى آخره؛ فإنه يعبر غالبا عن كل ما يعمل عملا من أعمال العقلاء بضميرهم،
ومن ذلك قوله تعالى في الكواكب وهي أجرام جامدة: ﴿كل في فلك يسبحون﴾ (الأنبياء: 33) ، وقوله في الأصنام: ﴿فراغ عليهم ضربا باليمين﴾ (الصافات: 93) لأن المشركين كانوا يعتقدون أنها عاقلة مدبرة.