تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولرفع التناقض الظاهري بين قوله تعالى: ﴿ملك الموت﴾ (السجدة: 11)

بالإفراد، وبين قوله تعالى: ﴿توفته رسلنا﴾ (الأنعام: 61) بالجمع نقول: إن

المفرد المضاف يعم كقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ (البقرة: 187) أي

لياليه؛ فكذلك يصح أن يكون المراد من ملك الموت ملائكته، أو رسله أي

ميكروباته، وهي عادة من النوع الباسيلي، كما تقدم.

ومن أمثلة ذلك قولهم (حلت دودة القطن بأرض فلان) أي دوده، فالمراد

الجنس لا الفرد.

ولا يتوهم أحد مما ذكر أننا ننكر وجود بعض أنواع أخرى من جنود الله التي

لا يعلمها إلا هو، كلا ثم كلا، فإن الإيمان بالملائكة بالمعنى المشهور فرض على

المسلم، ومما يجب علينا الإيمان به أن للوحي ملكا (جبريل) وهو ليس من قبيل

ما ذكرناه، وإنما مرادنا أن الميكروبات مما يدخل تحت لفظ الملائكة، وليسوا هم

كل الملائكة.

وآية فاطر التي ورد فيها ذكر الأجنحة للملائكة يمكننا أيضا تطبيقها على

الميكروبات، فقد سبق أن لبعض الميكروبات أهدابا مثنى (كما في ميكروبات

الكوليرا) فإن لها هدبين أحيانا في طرف منها، وإذا اجتمع اثنان منها، والتصقا

معا جاز أن يكون لهما ثلاثة أهداب، ولميكروب الحمى الراجعة أربعة أهداب،

وللتيفود أهداب عديدة، يزيد في الخلق ما يشاء، ولا شك أن الجناح يطلق على

الجنب، واليد، والعضد، والإبط ومنه قوله تعالى: ﴿واضمم يدك إلى جناحك﴾ (طه: 22) فلا مانع من إطلاقها على هذه الأهداب التي هي بمثابة الأيدي

للميكروبات، على أننا لسنا في حاجة إلى تطبيق هذه الآية على الميكروبات، فإنه

ليس المراد من كون الميكروبات من الملائكة أن كل ما يسمى ملكا يكون له أجنحة،

ويكون عاقلا مكرما عند الله، بل المراد أن كل ما هو خاضع لأمر الله يرسله

متى شاء، فهو من ملائكته أي رسله.

هذا - ولا يتوهم من قوله تعالى في سورة العنكبوت مثلا عن لسان الملائكة

﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ (العنكبوت: 31) ونحن أعلم بمن فيها {إنا

منزلون على أهل هذه القرية رجزا} (العنكبوت: 34) الآيات أن القرآن -

ككتب الأمم الأخرى - ينسب إلى الملائكة الأعمال التي تجري في هذا العالم حسب

السنن الإلهية المعتادة، كنسف القرى، وقلب الأرض بالثورات البركانية؛ فإن

هؤلاء الملائكة كانت وظيفتهم قاصرة على إخبار إبراهيم ولوط بما قدره الله لقوم

لوط ولزوجه، وعلى إرشاده إلى ما يجب عمله حتى ينجو مما سيحل بهم؛ وإنما

عبروا بتلك العبارات التي يفهم منها أنهم أنفسهم هم الفاعلون لكيت وكيت؛ لأنهم

رسل الله أرسلوا بأمره وإرشاده؛ ليكونوا نائبين عنه تعالى في تبليغ ما أراد للوط

فهم متكلمون عن الله وبلسانه جل شأنه، فالمهلك والعالم بحال الناس، والمنزل

الرجز هو الله الذي أمرهم أن يقولوا عنه ذلك، وقد تقدم لهذه المسألة نظير في

قصة مريم وجبريل عليهما السلام (راجع صفحة 118 من الجزء الأول) ولذلك

قالت الملائكة للوط ﴿إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين﴾ (الحجر: 60) كما في

سورة الحجر، مع العلم بأن الله تعالى وحده هو الذي قدر كل شيء؛ وإنما هم

مبلغون بأمره عن قدره.

وعليه فالتقدير في سورة العنكبوت هو هكذا: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم

بالبشرى قالوا} (العنكبوت: 31) تبليغا عنا ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ (العنكبوت: 31) .. ﴿قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها﴾ (العنكبوت:

32) أي قالوا عنا إننا نعلم بمن فيها {وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك

إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء

بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون} (العنكبوت:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٢١