حاملو الأمراض:
إذا أصيب المرء بمرض كالحمى التيفودية، أو كان جسمه ممتنعا عليه لسبب
ما، ودخلت الميكروبات في أمعائه فمن الجائز أن تعيش في جوفه أشهرا عديدة،
أو سنين كثيرة، ربما بلغت الخمسين بدون أن يشعر بمرض منها؛ ولكنه يكون
خطرا على غيره من المستعدين لهذا الداء، وذلك لأن الميكروب يتكاثر في بعض
أحشائه كالأمعاء، أو المرارة، أو الكلى، والمثانة، ويخرج في برازه أو بوله
فيصل إلى طعام الآخرين أو شرابهم ويوردهم موارد الهلاك، ويسمي العلماء
أمثال هؤلاء الناس (حاملي الأمراض) ومنهم من يتكون عنده حصيات في المرارة
بسبب هذه الميكروبات، ولبعض الأمراض الأخرى حاملون كالدفثيريا والكوليرا
وغيرهما.
ومن ذلك يعلم أن الحاملين نوعان:
(1) الحاملون الأصحاء: وهم الذين لم يصابوا بالمرض مطلقا؛ وإنما كمن
فيهم ميكروبه من غير أذى.
(2) الحاملون الناقهون: وهم الذين يوجد فيهم الميكروب في أثناء
النقاهة من المرض، أو بعدها بمدة مديدة، ويسمون حينئذ بالحاملين المزمنين.
***
الفطر
نوع من الميكروب له خلايا عديدة، وهو أيضا من فصيلة النبات، إلا أنه
خال من الكلوروفيل، ويتركب من خيوط دقيقة جدا، مشتبك بعضها بالبعض الآخر
بغير نظام - وهو الأكثر - كميكروب القرع، أو ببعض نظام - كما في الفطر
الشعاعي (fungus - Ray) .
وبين هذه الخيوط، أو عند مركزها توجد حبيبات كالتي ذكرت في
الميكروبات السابقة، وهي بزور الفطر، ومن الفطر ما يصيب الجلد فيحدث فيه
أمراضا متنوعة كالقرع، ومنه ما يصيب الفم أو الرئتين وغير ذلك مما سيأتي بيانه
في باب الأمراض المعدية.
ولخلو الفطر من الكلوروفيل لا يمكنه تحليل غاز ثاني أكسيد الفحم، فهو بذلك
يشبه البكتيريا.
ضرورة الكلوروفيل والشمس للحياة:
اعلم أن الكلوروفيل من أوجب ضروريات الحياة في هذا العالم، إذ بوجوده
في النبات يمكنه تركيب النشاء الضروري لتكوين مواد أخرى كثيرة مما في النبات
وهي ضرورية للحيوانات أيضا، وذلك بتأثير أشعة الشمس معه في الأجسام،
ويحتاج الكلوروفيل لوجود مادة الحديد في الأرض، وإن كانت لا تدخل في تركيبه،
بخلاف حمرة الدم؛ فإن الحديد داخل فيها.
وإذا تأمل الإنسان في هذا العالم وجد أن الحياة تفاعل في قوى المادة كتفاعل
النار تبعا لسنن مخصوصة، ومن الصعب أن يضع الإنسان تعريفا لها جامعا مانعا
لدخول مثل النار فيه، فإنها تشبه الأحياء في احتياجها إلى غذاء (وقود) ، وتخرج
منها أجسام كما تخرج إفرازات الأحياء وتنقسم كانقسامها وتتحرك كحركتها إلى غير
ذلك من الصفات المشتركة، إلا أن حركتها لا تدل على شيء من الإرادة كحركة
بعض الأحياء (راجع صفحة 42 و 43 من الجزء الأول) .
هذا - وكان المتقدمون يرون أن الشمس ضرورة لتكون الكلوروفيل في
النبات؛ ولكن وجد أنه قد يتكون بحرارة عالية في الظلام التام، ومن هذا نرى أن
الحرارة أو النار سواء أكانت من الشمس أم من غيرها هي الأصل الأصيل للأحياء
قاطبة، ويصعب فصل مفهوم إحداهما (الأحياء والنار) عن الأخرى بالدلائل
المقنعة.
***
الملائكة
كان القدماء لصغر عقولهم لا يقدرون على الاعتقاد بأن إلها واحدا يمكنه تدبير
هذا الكون العظيم كله؛ فلهذا أشركوا به تعالى غيره فجعلوا لكل شيء إلها، وكذلك
لكل قوة من قوى هذا الوجود، حتى جعلوا لبعض أعمال الإنسان آلهة، ومن ذلك
ما نراه من أساطير اليونان مثلا، فإن لهم إلها للرياح، وآخر للحرب، وثالثا للنوم
ورابعا للنار، وخامسا للزواج إلى غير ذلك من الآلهة التي تكاد لا تعد، ولكل من
هذه الآلهة اسم باليونانية يعرفه العالمون بتلك اللغة.
ولما جاءت الرسل إلى الناس كان من أكبر مقاصدهم أن يردوهم عن الشرك
إلى التوحيد، فأبى أكثرهم ترك ما هم عليه، ومن آمن منهم صعب عليه أن يترك
جميع هذه الآلهة مرة واحدة، فأخذوا يسمونها بأسماء أخرى؛ ولكنهم بقوا معتقدين