المنفق، إذ المرء لو أنفق لله ما يكره، لا يكون إنفاقه له بسبب حبه إياه، بل
يعتبر غرما ومظلمة، أو شيئا كريها رغب الخلاص منه بهذه الطريقة رياء، أما لو
أنفق من شيء محبوب له، يكون حبه الله قد رجح في نفسه على حبه المال، فدعاه
إلى بذل المال على حبه إياه، وهناك يظهر الفضل بالتوحيد والإخلاص.
(وقال) تعالى في سورة الأعراف: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها
للذين يتقون ويؤتون الزكاة} (الأعراف: 156) بين أن رحمته واسعة؛ ولكنها
لا تكتب لكل الناس، بل كتابها وإيجابها خاص بالأتقياء المعطين الزكاة، فالذي
يمنع الزكاة، تمنع كتابة الرحمة له؛ فلا يكون له حظ فيها بل يكون بعيدا عنها،
ومحروما منها.
(لها بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) المنار: رواه مسلم عن جابر بن عبد الله من طريق أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، وهو ثقة عند الجمهور رووا له إلا البخاري، فإنه لم يرو له إلا متابعة، وكان ابن حزم يرد من حديثه ما يقول فيه: عن جابر، لأنه مدلس وههنا صرح بسماعه منه، وطعن فيه شعبة ونهى عن الكتابة عنه قال: لأنه لا يحسن يصلي، ولكونه يسيء صلاته، بل قال: إنه كذب على رجل، واعتذر عن ذلك بأنه أغضبه واحتج على الشافعي بحديثه فغضب وقال: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة، وقال: أبو زرعة وأبو حاتم: لا يحتج به، ورواه أيضا من طريق أبي سفيان طلحة بن نافع، وقد روى له الجماعة إلا أن البخاري لم يرو له في الصحيح إلا مقرونا بغيره، وقال سفيان بن عيينة: حديثه عن جابر إنما هو صحيفة أي لم يسمع منه مع أنه صرح بالسماع في مسلم وقال ابن معين فيه: لا شيء وقال ابن المديني: كانوا يضعفونه، أما لفظ الحديث من الطريق الأول فهو (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) ، ومن الطريق الثاني (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) ، قال النووي في شرحه: هكذا هو في جميع الأصول من صحيح مسلم - الشرك والكفر بالواو - وفي مخرج أبي عوانة الإسفرايني، وأبي نعيم الأصبهاني (أو الكفر) بأو ولكل منهما وجه، ومعنى بينه وبين الشرك ترك الصلاة - أن الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل، ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات، مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك والله أعلم، وذكر قبل ذلك أن الجمهور من السلف والخلف لا يقولون بكفر تارك الصلاة إلا إذا جحد وجوبها، وحملوا مثل هذا الحديث على ما رأيت في تفسيره له من كون تركها قد يفضي إلى الكفر أو إذا كان جاحدا، وقال بعض السلف بكفره، وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه وعن عبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، قال النووي وهو رواية عن أحمد، ووجه لبعض أصحاب الشافعي، وسيأتي جمعنا بين الأقوال.
(2) الظن: الاعتقاد الراجح، ولا يشترط تصور مقابل مرجوح.
(3) المنار: قد كان عبد الله هذا ناصبيا يبغض عليا عليه السلام، وقد صح الحديث عن مسلم (أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق) فأخذ الكاتب بظواهر مثل هذا الحديث يقتضي ألا يحتج بما يرويه عبد الله بن شقيق، ولا يعتد بإيمانه، وما تقدم عن النووي يفيد أن جمهور الصحابة لا يعدون مجرد ترك الصلاة كفرا بمعنى الردة عن الإسلام، وحسب التارك لها أنهم اختلفوا في إيمانه، وسيأتي الجمع بين الأقوال في ذلك.
(4) المنار: هذا تهور عظيم، والصواب أن سببه تعارض النصوص كما سنبينه بعد.
(5) المنار: الآية لا تدل على ذلك، فالعمل بها يتم بما دون الزكاة الشرعية.</span></span>
الكاتب: محمد توفيق صدقي
-----------------
<span class="footnote">