ألا يزيد عجبك عندما تسمع مقلدة الفقهاء يعلمون الناس إسقاط فرضية الزكاة بما
يوحي إليهم الشياطين من الحيل؟ ولعلك شاهدت كثيرا ممن تجب عليهم زكاة المال
يأتي قبل الحول الذي تجب بحلوله الزكاة؛ فيتنازل لامرأته عن ماله، ثم بعد أن
يفوت الحول يستوهبها إياه، ويزعم أنه بذلك قد خرج عن دائرة المالكين فلم يكلف
وأن حيلته صحت عند الله.
وأغرب من ذلك أن الرجل يضع زكاة ماله نقودا في داخل كمية من الحبوب،
ويأتي ببعض المستحقين فيعرض عليه تلك الكمية من الحبوب من غير أن يريه
المال المدفون فيها، فيقول له: هذه زكاة مالي فاقبلها، وبعد قبوله إياها يبتاعها منه
بضعف ثمنها، فيفرح المسكين، ويرجع المكلف بدفع الزكاة زاعما أنه قد تخلص
منها، ولم يعد يسأل عنها.
فيا حسرة على هؤلاء الذين فضلا عن تضييعهم للشريعة، وقضائهم على
أحكامها، قد هزئوا بربهم، وسخروا بخالقهم، فاكتسبوا جريمتين بعملهم هذا،
إحداهما تضييع دينه، والأخرى الاحتيال عليه، {ولا تحسبن الله غافلا عما
يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} (إبراهيم: 42)
يوم يتقاضاهم الفقراء والمساكين، ويحكم الله بينهم وبين المستحقين، يوم يحمى
على أموالهم في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ويقال لهم: {هذا
ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (التوبة: 35) .
حكم تارك الصلاة والزكاة:
س: حسبنا ما وقفنا عليه من معنى الصلاة والزكاة، وما وراءهما من المنافع
وما انطوتا عليه من الحكم، فما حكم تارك الصلاة، أو مانع الزكاة؟
ج: كلاهما معرض عن الإسلام هادم لأعظم أركانه، وقد ذهب جماهير العلماء
إلى وجوب قتله إن لم يتب - قيل كفرا وقيل عقوبة - وقد أجمع الصحابة رضوان
الله عليهم على قتال مانعي الزكاة، والخلاف في كفر تارك الصلاة أقوى.
س: كيف يعد تارك عبادة من عبادات الإسلام مرتدا عن الدين، تاركا
له؟
ج: لأن الإسلام ليس له معنى إلا الانقياد لله تعالى، فيما يزكي النفوس،
ويصلح الاجتماع، وذلك إنما يتجلى في الصلاة والزكاة - كما علمت - وغيرهما
تابع لهما، بل من أقام الصلاة وحدها، أقام كل أمر بعدها.
س: هذا صحيح وفهمناه مما سبق، فأين الأدلة على أن تارك الصلاة، أو مانع الزكاة خارج عن الملة الإسلامية؟
ج: ذكر الله سبحانه الصلاة، والزكاة في أكثر من خمسين موضعا من
كتابه، وكلها يدل على الاهتمام بهما، وبناء الإسلام عليهما، غير أننا نكتفي هنا
بذكر الصريح من الآيات في موضوعنا فنقول:
ما جاء في الصلاة وحدها:
من ذلك قوله تعالى في سورة الروم {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا
تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه
وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم} (الروم: 30-
32) الآية، وفي قراءة (من الذين فارقوا دينهم) ، فانظر كيف أراك عز شأنه أنه
لا يعدل عن إقامة الصلاة إلا المشركون [1] ، ولا يتصف بها إلا المتقون، من أقامها
صاحب الدين، ومن لم يقمها فارق الدين، فهي الصفة المميزة، والحد الفاصل بين
المسلم والمشرك.
(لها بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) المنار: قرأنا هذه الرسالة كلها، وانتقدنا على كاتبها مسائل منها، وبينا له رأينا في تصحيحها وإصلاحها، قولا وكتابة، على أن يكون مستقلا في ذلك، يأخذ ما يأخذ، ويترك ما يترك
عن بينة، كما هو شأننا مع تلاميذنا ومريدينا، لأجل هذا نشير في حواشي الرسالة إلى المهم مما
بقي من خطأ أو ضعف فيها.
(1) المنار: الآية لا تدل على هذا الحصر، ولا هو صحيح في نفسه، ولا تدل على الحصر الذي
ذكر بعده، وإن كان معناه صحيحا.</span></span>
الكاتب: محمد توفيق صدقي
-----------------
<span class="footnote">