عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد،
نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا إسحق بن إبراهيم - هو ابن راهويه-
عن أبي عامر العقدي، نا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعيد بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف، قال سألت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من عمل عملا ليس
عليه أمرنا فهو رد) .
(قال علي) ومن أمره الله تعالى أن يعمل عملا في وقت سماه له، فعمله
في غير ذلك الوقت، إما قبل الوقت، وإما بعد الوقت، فقد عمل عملا ليس عليه
أمر الله تعالى، وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو مردود باطل غير
مقبول، وهو غير العمل الذي أمر به.
فإن جاء نص بأنه يجزئ في وقت آخر، فهو وقته أيضا حينئذ، وإنما الذي
لا يكون وقتا للعمل، فهو ما لا نص فيه، وبالله تعالى التوفيق.
***
المجتهد المخطئ خير من المقلد المصيب:
(مسألة) والمجتهد المخطئ أفضل عند الله من المقلد المصيب، هذا في
أهل الإسلام خاصة، وأما غير أهل الإسلام فلا عذر للمجتهد المستدل، ولا للمقلد،
وكلاهما هالك، برهان هذا ما ذكرناه آنفا بإسناده من قول رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) ، وذم الله تعالى التقليد جملة،
فالمقلد عاص، والمجتهد مأجور.
وليس من اتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقلدا لأنه فعل ما أمره
الله تعالى به، وإنما المقلد من اتبع دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه فعل
ما لم يأمره الله تعالى به، وأما غير أهل الإسلام فإن الله تعالى يقول: {ومن يبتغ
غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران:
85) .
***
الحق واحد لا يتعدد:
(مسألة) والحق من الأقوال في واحد منها وسائرها خطأ، وبالله تعالى
التوفيق، قال الله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (يونس: 32) وقال
تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ (النساء: 82) ،
وذم تعالى الاختلاف فقال: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ (آل عمران:
105) ، وقال تعالى: ﴿ولا تنازعوا﴾ (الأنفال: 46) ، وقال تعالى {تبيانا
لكل شيء} (النحل: 89) فصح أن الحق في الأقوال هو ما حكم الله تعالى به
فيه، وهو واحد لا يختلف، وأن الخطأ ما لم يكن من عند الله تعالى، ومن ادعى
أن الأقوال كلها حق، وأن كل مجتهد مصيب، فقد قال قولا لم يأت به قرآن، ولا
سنة، ولا إجماع، ولا معقول.
وما كان هذا فهو باطل ويبطله أيضا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
(إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) فنص - عليه السلام - أن المجتهد قد يخطئ.
ومن قال: إن الناس لم يكلفوا إلا اجتهادهم فقد أخطأ، بل ما كلفوا إلا إصابة ما
أمر الله تعالى به، قال الله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من
دونه أولياء} (الأعراف: 3) فافترض - عز وجل - اتباع ما أنزل إلينا، وأن
لا نتبع غيره، وألا نتعدى حدوده.
وإنما أجر المجتهد المخطئ أجرا واحدا على نيته في طلب الحق فقط، ولم
يأثم إذ حرم الإصابة. فلو أصاب الحق أجر أجرا آخر، كما قال عليه السلام إنه
إذا أصاب أجر أجرا ثانيا، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، نا إبراهيم بن
أحمد، نا الضريري، نا البخاري، نا عبد الله بن يزيد المقري، نا حيون بن
شريح، نا يزيد بن عبد الله بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن بشر
بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله
أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر " ولا يحل الحكم بالظن أصلا لقول الله -
عز وجل -: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ (النجم:
28) ، ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم- (إياكم والظن فإن الظن أكذب