رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا في دين لم يشرعه الله عز وجل.
ومن ادعى وجوب تقليد العامي للمفتي، فقد ادعى الباطل، وقال قولا لم يأت
به قط نص قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل
لأنه قول بلا دليل، بل البرهان قد جاء بإبطاله، قال الله تعالى ذاما لقوم: {إنا
أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} (الأحزاب: 67) .
والاجتهاد إنما معناه بلوغ الجهد في طلب دين الله تعالى الذي أوجبه على
عباده، وبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أن المسلم لا يكون مسلما إلا حتى يقر
بأن الله تعالى إلهه لا إله له غيره، وأن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فهذا الدين إليه وإلى غيره، فإذ لا شك في هذا ففرض عليه أن يسأل إذا سمع فتيا:
أهذا هو حكم الله تعالى، وحكم رسوله؟ ، وهذا لا يعجز عنه من يدري بالإسلام
ولو أنه كما جلب من (قوقو) ، وبالله تعالى التوفيق.
***
استفتاء أهل الحديث لا الرأي:
(مسألة) وإن قيل له إذا سأل عن أعلم بلده في الدين: هذا صاحب حديث
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا صاحب رأي وقياس، فليسأل
صاحب الحديث، ولا يحل له أن يسأل صاحب الرأي أصلا، وبرهان ذلك قول الله
تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (المائدة: 3) ، وقوله تعالى {لتبين للناس ما
نزل إليهم} (النحل: 44) فهذا هو الدين لا دين سوى ذلك، والرأي والقياس
ظن، والظن باطل.
حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، نا أحمد بن سعيد، نا ابن وضاح، نا
يحيى بن يحيى، نا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) .
حدثنا يونس بن عبد الله، نا يحيى بن مالك بن عائذ، نا أبو عبد الله بن أبي
حنيفة، نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، نا يوسف بن يزيد
القراطيسي، نا سعيد بن منصور، نا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة بن مقسم
عن الشعبي قال (السنة لم توضع بالمقاييس) حدثنا محمد بن سعيد بن ثبات نا
إسماعيل بن إسحاق البصري، نا أحمد بن سعيد بن حزم، نا محمد بن إبراهيم بن
حمون الحجازي، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول (الحديث
الضعيف أحب إلينا من الرأي) [3] ، حدثنا همام بن أحمد، نا عباس بن أصبغ، نا
محمد بن عبد الملك بن أعين، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال سألت أبي عن
الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث، لا يعرف صحيحه من سقيمه،
وأصحاب رأي فتنزل به النازلة: من يسأل؟ فقال أبي: يسأل صاحب الحديث،
ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من رأي أبي حنيفة.
***
رفع الخطأ والنسيان:
(مسألة) ولا حكم للخطأ ولا للنسيان إلا حيث جاء في القرآن أو السنة لهما
حكم قال تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ (الأحزاب: 5) ، وقال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (البقرة:
286) .
***
إنما التكليف بالاستطاعة:
(مسألة) وكل فرض كلفه الله تعالى الإنسان، فإن قدر عليه لزمه، وإن
عجز عن جميعه سقط عنه، وإن قوي على بعضه، وعجز عن بعضه سقط عنه ما
عجز عنه، ولزمه ما قدر عليه منه سواء كان أقله أو أكثره، برهان ذلك قول الله
تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: 286) ، وقول رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وقد ذكرناه قبل
بإسناده، وبالله تعالى التوفيق.
***
لا يقدم الموقت على وقته:
(مسألة) لا يجوز أن يعمل أحد شيئا من الدين موقتا بوقت قبل وقته، فإن
كان موقتا الأول من وقته، والآخر من وقته لم يجز أن يعمل لا قبل وقته ولا بعد
وقته، لقول الله -عز وجل-: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (الطلاق:1) ،
وقال تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (البقرة: 229) والأوقات
حدود فمن تعدى بالعمل وقته الذي حده الله تعالى له، فقد تعدى حدود الله [4]- حدثنا