تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والروح، وجعل لكل معاينة منها حكما، فمعاينة العين هي رؤية الشيء عيانا إما

بانطباع صورة المرئي في القوة الباصرة عند أصحاب الانطباع، وإما باتصال

الشعاع المنبسط من العين المتصل بالمرئي عند أصحاب الشعاع، وإما بالنسبة

والإضافة الخاصة بين العين وبين المرئي عند كثير من المتكلمين، والأقوال الثلاثة

لا تخلو عن خطأ وصواب، والحق شيء غيرها، وأن الله سبحانه جعل في العين

قوة باصرة كما جعل في الأذن قوة سامعة، وفي الأنف قوة شامة، وفي اللسان قوة

ناطقة، فهذه قوى أودعها الله سبحانه في هذه الأعضاء وجعل بينها وبينها رابطة،

وجعل لها أسبابا من خارج، وموانع تمنع حكمها، وكل ما ذكروه من انطباع

ومقابلة وشعاع ونسبة وإضافة فهو سبب وشرط، والمقتضي هو القوة القائمة

بالمحل، وليس الغرض ذكر هذه المسألة فالمقصود أمر آخر.

وأما معاينة القلب فهي انكشاف صورة المعلوم له بحيث تكون نسبته إلى

القلب كنسبة المرئي إلى العين، وقد جعل الله سبحانه القلب يبصر ويعمى كما

تبصر العين وكما تعمى، قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب

التي في الصدور} (الحج: 46) فالقلب يرى، ويسمع، ويعمى، ويصم،

وعماه، وصممه أبلغ من عمى البصر، وصممه.

وأما ما يثبته متأخرو القوم من هذا القسم الثالث (وهو رؤية الروح، وسمعها

وإرادتها، وأحكامها التي هي أخص من أحكام القلب) فهؤلاء اعتقادهم أن الروح

غير النفس والقلب [14] ، ولا ريب أن ها هنا أمورا معلومة، وهي البدن وروحه

القائم به، والقلب المشاهد فيه وفي سائر الحيوان، والغريزة وهي القوة العاقلة التي

محلها القلب , ونسبتها إلى القلب كنسبة القوة الباصرة إلى العين، والقوة السامعة

إلى الأذن، ولهذا تسمى تلك القوة قلبا، كما تسمى القوة الباصرة بصرا، قال تعالى

﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ (ق: 37) ولم يرد شكل القلب فإنه لكل

أحد، وإنما أريد القوة والغريزة المودعة فيه، والروح هي الحاملة للبدن، ولهذه

القوى كلها، فلا قوام للبدن، ولا لقواه إلا بها، ولها باعتبار إضافتها إلى كل محل

حكم، واسم يخصها هناك، وإذا أضيفت إلى محل البصر سميت بصرا وكان لها

حكم يخصها هناك، وإذا أضيفت إلى محل العقل - وهو القلب - سميت قلبا، ولها

حكم يخصها، وهي في ذلك كله روح، فالقوة الباصرة والعاقلة، والسامعة،

والناطقة روح باصرة، وسامعة، وعاقلة، وناطقة، فهي في الحقيقة [15] هذا العاقل

الفهم المدرك المحب العارف المحرك للبدن الذي هو محل الخطاب، والأمر،

والنهي - هو شيء واحد له [16] صفات متعددة بحسب متعلقاته، فإنه يسمى نفسا

مطمئنة، ونفسا لوامة، ونفسا أمارة، وليس هو ثلاثة أنفس بالذات والحقيقة؛

ولكن هي نفس واحدة لها صفات متعددة، وهم يشيرون بالنفس إلى الأخلاق

والصفات المذمومة فيقولون: فلان له نفس، وفلان ليس له نفس، ومعلوم أنه لو

فارق نفسه لمات؛ ولكن يريدون تجرده عن صفات النفس المذمومة والمحققون منهم

يقولون: إن النفس إذا تلطفت، وفارقت الرذائل صارت روحا. ومعلوم أنها لم

تعدم، ويخلق لها مكانها روح لم تكن؛ ولكن عدمت منها الصفات المذمومة،

وصار مكانها الصفات المحمودة فسميت روحا.

وهذا اصطلاح مجرد وإلا فالله سبحانه سماها نفسا في القرآن في جميع

أحوالها (أمارة، ولوامة، ومطمئنة) وقال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين

موتها} (الزمر: 42) ويدخل في هذا جميع أنفس العباد حتى الأنبياء، وسماها

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روحا على الإطلاق مؤمنة كانت أو كافرة،

برة أو فاجرة، كقوله: (أن الروح إذا قبض تبعه البصر) ، وقوله: (إن الله

قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء) ، وقوله: في حديث قبض الروح

وصفته، إن كان [17] مؤمنا كان كذا وكذا، وإن كان كافرا كان كذا وكذا، فسمى

المقبوض روحا، كما سماه الله في كتابه نفسا، وهذا المقبوض والمتوفى شيء واحد،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٤٠