تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا ثلاثة، ولا اثنان، وإذا قبض تبعته القوى كلها - العقل وما دونه، لأنه كان

حامل الجميع، ومركبه.

إذا عرف هذا فالمعاينة نوعان: معاينة بصر، ومعاينة بصيرة، فمعاينة

البصر وقوعه على نفس المرئي، أو مثاله الخارجي كرؤية مثال الصورة في

المرآة والماء، ومعاينة البصيرة وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق

للخارجي، فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصورة الخارجية، وقد يقوى

سلطان هذه الإدراك الباطن بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضار القوة العاقلة

لمدركها بحيث يستغرق فيه، فيغلب حكم القلب على حكم الحس والمشاهدة؛

فيستولي على السمع والبصر بحيث يراه، ويسمع خطابه في الخارج، وهو في

النفس والذهن؛ لكن لغلبة الشهود وقوة الاستحضار، وتمكن حكم القلب واستيلائه

على القوى صار كأنه مرئي بالعين، مسموع بالأذن، بحيث لا يشك المدرك في

ذلك، ولا يرتاب البتة، ولا يقبل عدلا.

وحقيقة الأمر أن ذلك كله شواهد وأمثلة علمية تابعة للمعتقد، فذلك الذي أدرك

بعين القلب والروح إنما هو شاهد دال على الحقيقة، وليس نفس الحقيقة، فإن

شاهد نور جلال الذات في قلب العبد ليس هو نفس نور الذات الذي لا تقوم له

السموات والأرض، فإنه لو ظهر لها لتدكدكت وأصابها ما أصاب الجبل، وكذلك

شاهد نور العظمة في القلب إنما هو نور التعظيم والإجلال، لا نور نفس المعظم

ذي الجلال والإكرام، وليس مع القوم إلا الشواهد والأمثلة العلمية والدقائق [18] التي

هي ثمرة قرب القلب من الرب، وأنسه به واستغراقه في محبته، وذكره واستيلاء

سلطان معرفته عليه، والرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله، منزه مقدس عن اطلاع

البشر على ذاته، أو أنوار ذاته، أو صفاته أو أنوار صفاته، وإنما هي الشواهد

التي تقوم بقلب العبد كما يقوم بقلبه شاهد من الآخرة والجنة والنار وما أعد الله

لأهلهما، وهذا الذي وجده عبد الله بن حرام يوم أحد لما قال: واها لريح الجنة!

إني أجد ريحها دون أحد، ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - (إذا مررتم

برياض الجنة فارتعوا - قالوا وما رياض الجنة؟ قال: - حلق الذكر) ومن قوله:

(ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) فهو روضة لأهل العلم والإيمان

لما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنة، حتى كأنها لهم رأي عين، وإذا قعد المنافق

هناك لم يكن ذلك المكان في حقه روضة من رياض الجنة، ومن هذا قوله: (الجنة

تحت ظلال السيوف) فالعمل إنما هو على الشواهد، وعلى حسب شاهد العبد يكون

عمله. اه. المراد منه.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) مقتبس من الجزء الثالث من كتاب مدارج السالكين.

(1) يعني صاحب كتاب منازل السائرين.

(2) كتب في هامش ب (هو ابن الفارض) .

(3) وفي هامشها أيضا (لعله ابن عربي صاحب الفصوص، المشتمل على مخالفة النصوص) .

(4) حمل القضاء على التكويني، وإنما هو بمعنى التشريعي، فحجته داحضة.

(5) في ب (كل صفة كمال) .

(6) وفيها (الهم) .

(7) وفيها (والدوام) .

(8) أي أبو إسماعيل الهروي صاحب المنازل.

(9) في ب (نفس هذا الظل) .

(10) في المتن وب (المعاينات) .

(11) في المتن (معرفة الشيء) .

(12) زاد فيه هنا (وهذه معاينة بشواهد العلم) .

(13) في ب (لتناغي) .

(14) سقط من ب كلمة (والقلب) .

(15) في ب (ففي الحقيقة) ولعله الصواب.

(16) وفيها (وله) .

(17) في ب (فإن كان) .

(18) في ب (الرقائق) .</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٤١