وهو المكون لكل شيء، فلا وجود في الحقيقة لغيره، ولا فعل لغيره، بل وجود
غيره كالخيال والظلال، وفعل غيره في الحقيقة كحركات الأشجار والنبات، وهذا
تحقيق الفناء في شهود الربوبية والأزلية والأبدية، وطي بساط شهود الأكوان، فإذا
ظهر هذا الحكم انمحق وجود العبد في وجود الحق، وتدبيره في تدبير الحق،
فصار سبحانه هو المشهود بوجود من العبد متلاش مضمحل كالخيال والظلال، ولا
يستعد لهذا عندهم إلا من اجتمعت إرادته على المراد وحده حالا، لا تكلفا، وطبعا،
لا تطبعا، فقد تنبعث الهمة إلى أمر وتتعلق به، وصاحبها معرض عن غير مطلبه
متحل به، ولكن إرادة السوى كامنة فيه، قد توارى حكمها واستتر، ولما يزل،
فإن القلب إذا اشتغل بشيء اشتغالا تاما توارى عنه إرادته لغيره والتفاته إلى ما
سواه مع كونه كامنا في نفسه، مادته حاضرة عنده، فإذا وجد فجوة وأدنى تخل من
شاغله ظهر حكم تلك الإرادات التي كان سلطان شهوده يحول بينه وبينها.
فإذا الجمع وعين الجمع مراتب (أعلاها) جمع الهمم على الله إرادة، ومحبة
وإنابة، وجمع القلب، والروح، والجوارح على استفراغ الوسع في التقرب إليه
بما يحبه ويرضاه، دون رسوم الناس وعوائدهم، فهذا جمع خواص المقربين
وساداتهم، (والثاني) الاستغراق في الفناء في شهود الربوبية، وتفرد الرب
سبحانه بالأزلية والدوام، وإن الوجود الحقيقي له وحده، وهذا الجمع دون الجمع
الأول بمراتب كثيرة (الثالث) جمع الملاحدة الاتحادية وعين جمعهم، وهو جمع
الشهود في وحدة الوجود، فعليك بتمييز المراتب، لتسلم من المعاطب، وسيأتي
ذكر مراتب الجمع والتمييز بين صحيحها وفاسدها في آخر باب التوحيد من هذا
الكتاب إن شاء الله تعالى والله المستعان.
قوله (مالكة لصحة الورود) أي ضامنة لصحة ورودها، شاهدة بذلك مشهودا
لها به، لأنها فوق مشاهدة المعرفة، وفوق مشاهدة المعاينة.
قوله (راكبة بحر الوجود) يعني تلك المشاهدة راكبة بحر الوجود، فهي في
لجة بحره، لا في أنواره، ولا في بوارقه، وقد تقدم الكلام على مراده بالوجود،
وأنه وجود علم، ووجود عين، ووجود مقام، وسيأتي تمام الكلام عليه في بابه إن
شاء الله تعالى.
***
منزلة المعاينة أو مقامها
(من مدارج السالكين أيضا)
قال شيخ الإسلام [8] (باب المعاينة) قال الله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف
مد الظل} (الفرقان: 45) قلت: المعاينة مفاعلة من العيان، وأصلها من الرؤية
بالعين، يقال: عاينه إذا وقعت عينه عليه، كما يقال: شافهه. إذا كلمه شفاها،
وواجهه، إذا قابله بوجهه، وهذا مستحيل في هذه الدار أن يظفر به بشر، وأما
قوله: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ (الفرقان: 45) ، فالرؤية واقعة على
نفس مد الظل [9] لا على الذي مده سبحانه، كما قال: {ألم تروا كيف خلق الله سبع
سموات طباقا} (نوح: 15) وقوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب
الفيل} (الفيل: 1) فهاهنا أوقع الرؤية على نفس الفعل، وفي قوله: {ألم تر
إلى ربك كيف مد الظل} (الفرقان: 45) أوقعها في اللفظ عليه سبحانه والمراد
فعله من مد الظل، هذا كلام عربي بين معناها غير محتمل ولا مجمل، كما قيل في
العزى: (كفرانك اليوم لا سبحانك * إني رأيت الله قد أهانك) وهو كثير في
كلامهم، يقولون: رأيت الله قد فعل كذا وكذا، والمراد رأيت فعله، فالعيان
والرؤية واقع على المفعول لا على ذات الفاعل وصفته، ولا فعله القائم به
***
فصل
قال صاحب المنازل (المعاينة [10] ثلاث (إحداها) معاينة الأبصار (الثانية)
معاينة عين القلب، وهي معرفة عين الشيء [11] على نعته علما يقطع الريبة، ولا
تشوبه حيرة [12] (الثالثة) معاينة عين الروح، وهي التي تعاين الحق عيانا محضا،
والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين [13] سناء الحضرة، وتشاهد بهاء
العزة، وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة) جعل الشيخ المعاينة للعين والقلب