تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا أيضا مورد للملحد والموحد، فالملحد يقول: مشاهدة الجمع هي مشاهدة

الوجود الواحد الجامع لجميع المعاني، والصور، والقوى، والأفعال الخمسة،

والأسماء، وحضرة الجمع عنده هي حضرة هذا الوجود، ومشاهدة الجمع تجذب

إلى عينه - قال - وصفة هذا الجذب أن يحل الحق تعالى عقد خليقته بيد حقيقته،

فيرجع النور على صورة خليقته إلى أصله، ويرجع العبد إلى عدميته، فيبقى

الوجود للحق، والفناء للخلق، ويقيم الحق تعالى وصفا من أوصافه نائبا عنه في

استجلاء ذاته، فيكون الحق هو المشاهد ذاته بذاته، في طور من أطوار ظهوره

وهي مرتبة عبده، فإذا ثبت الحق تعالى عبده بعد نفيه ومحوه، وأبقاه بعد فنائه،

فعاد كما يعود السكران إلى صحوه وجد في ذات أسرار ربه، وطور صفاته،

وحقائق ذاته، ومعالم وجوده ومطارح أشعة نوره، ووجد خليقته أسماء مسمى ذاته

وعوده إليه، فيرى العبد ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها

إلى الوجود المنزه الأصل الموهم الفرع، فيؤدي استصحاب النظر إلى أصله، أن

الفرع لم يفارقه هو إلا بشكله، والشكل على اختلاف ضروبه، فمعنى عدمي لتعين

إمكانه في وجوبه.

فانظر ما في الكلام من الإلحاد والكفر الصراح، وجعل عين المخلوق نفس

عين الخالق، وأن الرب سبحانه أقام نفس أوصافه نائبة عنه في استجلاء ذاته،

وأنه شاهد ذاته بذاته في مراتب الخلق، وأن الإنسان إذا صحا من سكره وجد في

ذاته حقائق ذات الرب، ووجد خليقته أسماء مسمى ذاته، فيرى ثبوت ذلك الاسم

في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الوجود (المنزه الأصل) يعني عن

الانقسام والتكثر (الموهم الفرع) يعني الذي يوهم فروعه، وتكثر مظاهره،

واختلاف أشكاله أنه متعدد، وإنما هو وجود واحد، والأشكال على اختلاف

ضروبها أمور عدمية؛ لأنها ممكنة وإمكانها يفنى في وجوبها، فلم يبق إلا وجوب

واجب الوجود، وهو واحد وإن اختلفت الأشكال التي ظهر فيها، والأسماء التي

أشارت إليه، فالاتحادي يشاهد وجودا واحدا جامعا لجميع الصور، والأنواع،

والأجناس فاض عليها كلها فظهر فيها بحسب قوابلها واستعداداتها، وذلك الشهود

يجذبه إلى انحلال عزمه عن التقيد بمعبود معين، أو عبادة معينة، بل يبقى معبوده

الوجود المطلق الساري في الموجودات بأي معنى ظهر وفي أي ماهية تحقق، فلا

فرق عنده بين السجود للصنم، والشمس، والقمر، والنجوم، وغيرها كما قال

شاعر القوم [2] :

وإن خر للأحجار في البيد عاكف ... فلا تعد بالإنكار بالعصبية

وإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار مذ ألف حجة

فما عبدوا غيري وما كان قصدهم ... سواي وإن لم يظهروا عقد نية

وما عقد الزنار حكما سوى يدي ... وإن حل بالإقرار لي فهي بيعتي

وكما قال عارفهم [3] : واعلم أن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه،

ويجهله من جهله، فالعارف يعرف من عبد، وفي أي صور ظهر قال: {وقضى

ربك ألا تعبدوا إلا إياه} (الإسراء: 23) قال وما قضى الله شيئا إلا وقع [4] ، وما

عبد غير لله في كل معبود، فهذا مشهد الملحد.

والموحد يشاهد بإيمانه ويقينه ذاتا جامعة للأسماء الحسنى، والصفات العلى،

لها صفة كل كمال [5] ، وكل اسم حسن، وذلك يجذبه إلى نفس اجتماع همه على الله

وعلى القيام بفرائضه، والطريق بمجموعها لا تخرج عن هذين السببين، وإن

طولوا العبارات، ودققوا الإشارات، فالأمر كله دائر على جمع الهمة [6] على الله،

واستفراغ الوسع بغاية النصيحة في التقرب إليه بالنوافل، بعد تكميل الفرائض،

فلا تطول، ولا يطول عليك.

وشيخ الإسلام مراده بالجمع الجاذب إلى عين الجمع أمر آخر بين هذا وبين

جمع أهل الوحدة وعين جمعهم، لا هو هذا ولا هذا، فهو دائر على الفناء لا تأخذه

فيه لومة لائم، وهو الجمع الذي يدندن حوله، وعين الجمع عنده هو تفرد الرب

سبحانه بالأزلية بالدوام [7] ، وبالخلق والفعل، فكان ولا شيء، ويكون بعد كل شيء،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٣٨