تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منوية، كشخص عرف في أوربة يسمى " كثرين هوهمان " (CATHERINE

HOHMANN) لم يعرف له نظير.

ومن هذا النوع الأخير من تكون أعضاؤها الظاهرة كأعضاء الذكر، والباطنة

كأعضاء الأنثى، وبالعكس، ولا يوجد دليل على أن مثل هذا الشخص لا تتلقح

بويضاته بمني نفسه، غاية الأمر أن وجود مثل هذا الشخص أندر من الكبريت

الأحمر، وأكثر منه ندرة أن تلقح حيواناته المنوية بويضاته.

ولا يوجد عندنا مانع عقلي أو نقلي يمنعنا من تجويز أن تكون مريم - عليها

السلام - من هذا النوع الأخير فمسألتها أندر من النادر، فلا غرابة إذا لم نعرف

أنها حدثت لغير مريم، إذ يندر أن يتفق حصول ذلك في العالم إلا مرة أو مرتين

فيتعذر على الناس معرفة ذلك باليقين، على أن الوثنيين قد زعموا حصول مثل تلك

الولادة لبعض آلهتهم، وربما كان بعض ما زعموا صحيحا (راجع كتاب

(النصرانية والأساطير) تأليف روبرتسن صفحة 168 171) ولا ينافي ذلك أن

تكون مريم، وابنها آية للعالمين، فإن في كل ما خلق الله آية خصوصا مثل تلك

الشواذ العجيبة النادرة جدا، ولذلك قال تعالى: {وفي خلقكم وما يبث من دابة

آيات لقوم يوقنون} (الجاثية: 4) ، أما إرسال الملك إليها فقد كان لتبشيرها

بحصول هذا الحمل النادر العجيب، كما بشر زكريا بالولد مع شيخوخته، وعقم

امرأته، وقوله في سورة مريم: ﴿أهب لك﴾ (مريم: 19) قد يراد به أنه متكلم

عن الله، كما قالت الملائكة المرسلة للوط: ﴿إلا امرأته قدرنا﴾ (الحجر: 60)

أي قدر الله؛ ولذلك ورد في قراءة سبعية قول جبريل (ليهب لك) أي ليهب لك الله،

وإنما هو مبشر لها بذلك فقط، ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى في سورة آل عمران:

﴿إن الله يبشرك بكلمة منه﴾ (آل عمران: 45) الآية، وأما قول أمها: {إني

وضعتها أنثى} (آل عمران: 36) إذا دل على أنها عرفت حقيقتها فقوله تعالى

بعده مباشرة: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ (آل عمران: 36) أدل على أنها

لم تعرف الحقيقة؛ وإنما حكمت بالظاهر، والله أعلم منها بالواقع ونفس الأمر

وقوله: ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ (آل عمران: 42) أي فضلك عليهن لا

يدل على أنها منهن ولذلك لم يقل (اصطفاك منهن) [26] .

على أننا لم نقل إنها لم تكن امرأة بل نقول: (يحتمل أنها كانت لها أعضاء

الذكر والأثنى، وتغلب عليها الأنوثة بدليل حملها لعيسى، وولادتها له، وإرضاعها

إياه وإذا صدقنا كتب العهد الجديد قلنا إنها أيضا تزوجت بعد ولادة عيسى، ورزقت

بأولاد (مت 1: 25 و13: 55) فكانت أعضاء الأنوثة فيها أجلى وأكمل من

أعضاء الذكورة) .

هذا ويوجد في الحيوانات الدنيئة ما تتوالد إناثها بلا تلقيح عدة أجيال، فيجوز

أن ما يحصل في هذه الحيوانات على سبيل القاعدة يحصل مثله في الإنسان على

سبيل الشذوذ، مثال ذلك أن المعتاد في بعض الحيوانات أن تلد عدة صغار في بطن

واحد كالأرانب وغيرها وذلك هو القاعدة فيها، ومن النساء من ولدت 6 أطفال في

بطن واحد، ومنهن من كان لها أكثر من ثديين. والخلاصة أن عجائب مخلوقات

الله تعالى كثيرة، وله في كل شيء آية.

التلقيح:

التلقيح هو اجتماع عنصر الذكر (الحيوان المنوي) بعنصر الأنثى

(البويضة) وإذا كان التلقيح بين الأقارب الأقربين كان النسل رديئا لسببين:

(1) أنه يكون أضعف ممن يولد من زوجين بعيدين [27] ، وهذه القاعدة

مطردة حتى في النباتات؛ فإن ثمر الشجرة التي تلقحت أزهارها بأزهار أشجار

أخرى يكون أقوى وأحسن، حتى أن ثمرة الزهرة الواحدة إذا تلقحت بزهرة

مجاورة لها من نفس شجرتها كانت ثمرتها خيرا مما إذا تلقحت بنفس أبورها

(هو مسحوق التذكير في الزهرة كما سبق) .

(2) أنه إذا كان الزوجان قريبين انحصرت في نسلهما الأشياء الرديئة

الموروثة عنهما، أما إذا اختلطت البيوت بعضها ببعض تحسن نسل الرديء منها

وبقي، ولولا ذلك لانقرض أو لبقيت بعض الأمراض العقلية والجثمانية متوارثة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١١٦