تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليهم فحل بهم ما حل من اضطهاد نيرون قيصر الرومان (Nero) كما

فصله تاسيتوس في تاريخه.

فالظاهر أن بعض النصارى ظن أن تاسيتوس يريد بقوله (Chrestianos)

المسيحيين أي (Christianos) فأضاف إلى تاريخه هذه العبارة للتفسير، أي:

هذا الاسم: أي (Chrestianos) منسموب إلى المسيح (Christ)

الذي صلب بأمر الوالي بيلاطس في عهد الإمبراطور طيباريوس

(Tiberius) مع أنه نسبة إلى (Chrestus) إله المصريين

ولما لاحظ النصارى هذا الخطأ حرفوا اللفظ الوارد في كتابة تاسيتوس

من (Chrestianos) إلى (Christianos) لتصح النسبة إلى

المسيح (Christ) ولذلك اختلفت النسخ الحديثة عن النسخ القديمة في هذا

اللفظ، كما حققه أندريس على ما سبق، وعليه فتاسيتوس لم يذكر

المسيح في كتابه مطلقا، و (Chrestus) المذكور هنا هو اسم آخر

لأوزيريس كما تقدم؛ وكان يطلق أيضا على رئيس كهنة هذا المعبود بل وعلى

بعض موالي الرومانيين، وهذا يفهمنا

المعنى الحقيقي لقول سوتيونيوس (Suetonius) السابق: إن اليهود

طردهم كلوديوس (Claudius) من رومية بسبب ما يحدثونه من الفتن

بتحريض الحسن أو السامي (Chrestus) وهو على هذا أحد رؤساء الكهنة

أو شخص آخر سمي بهذا الاسم.

وهو تفسير معقول، ولولاه لكان سويتونيوس لا يعرف الفرق بين اليهود

والنصارى، ويزعم أن المسيح وجد في رومية وهو خطأ يبعد جدا أن يقع فيه

مؤرخ مثله. فالحق أنه لم يذكر عيسى عليه السلام كما لم يذكره تاستيتوس

على ما بينا، ولولا تحريف النصارى لكتبهما لفظا ومعنى لما فهم منهما غير

ما قررناه ولما توهم أحد وقوع سويتونيوس في هذا الخطأ الفظيع والجهل

الفاضح الذي ينسبونه إليه.

ولما انتشرت المسيحية في رومة بقي الرومان مدة لا يفرقون بين كلمة

(Chrestians) و (Christians) وكلمة (Chrestus) و

(Christus) وظنوا أن المسيح هو معبود المصريين (Osiris)

القديم. فحصل بسبب ذلك هذا الخلط والخبط حتى توهم أيضا يوستينوس

(Justin) الشهيد النصراني الشهير المتوفى في القرن الثاني أن

هناك علاقة بين اسم المسيحيين (Christians) وكلمة (Creston) أي

حسن أو طيب كما في كتاب جولد المذكور (ص19 من المجلد 3) .

(3) إذا سلم أن تاسيتوس أخذ خبر الصلب من مصدر رسمي في

رومية كما يدعون فنحن لا نقول: إن بيلاطس ورؤساء اليهود كانوا يعرفون

الحقيقة بل نقول: إنهم كانوا مخدوعين، بل ربما كان العسكر الذين قبضوا

على يهوذا بعد فرار المسيح أيضا مخدوعين؛ إذ يجوز أنهم أخذوه إلى السجن

لا لمجرد تخليص أنفسهم من العقاب باتهامهم أي شخص كان؛ بل لاعتقادهم

أنه هو عيسى وساعدهم على هذا الظن شدة شبه يهوذا به وجهلهم بطرق

تحقيق الشخصية (وهو العلم الذي توسع فيه الآن) وكذا عدم شدة مقاومة

يهوذا لهم لتصميمه على قتل نفسه من قبل القبض عليه كما بينا، فإذا قال لهم

مرة أو مرتين حينما قبضوا عليه: إنه ليس هو عيسى، ظنوا أنه كاذب، وأنه

يريد الفرار منهم مرة أخرى، فلم يلتفتوا إلى قوله.

ومما ساعد على جهل الناس حقيقة المصلوب حتى انخدعوا أن هيردوس

غير ملابس المسيح وألبسه لباسا أبيض لامعا استهزاء به (لو 23: 10)

ورده إلى بيلاطس، فوضع بيلاطس أيضا إكليلا من شوك فوق رأسه وألبسه

ثوب أرجوان، وخرج به هكذا، وحاكمه أمام اليهود (يو 19: 2-16) ولما

حكم عليه بالصلب أخذه العسكر إلى داخل دار الولاية، وألبسوه رداء قرمزيا

ووضعوا إكليلا من شوك على رأسه (مت 27: 28 و29) وكل هذه

المظاهر المختلفة تغير هيئته أمام من رآه خصوصا من لم يعرفوه معرفة جيدة

وتساعد على الوقوع في الخطأ.

وفي وقت الصلب جردوا المصلوب عن ثيابه كلها وبقي عريانا ولا يخفى

أن من لم يتعود رؤية شخص وهو عريان لا يسهل عليه معرفته بعد تجريده

من ملابسه. (انظر مر15: 24 -27 ومتى 27: 35 و36) .

وكيف يعجبون من قولنا: إن النساء اللاتي كن واقفات بعيدا عنه وقت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٩٣