الذي أرسلني 34 ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن
تأتوا) .
واستجاب الله دعاءه برفع كأس الموت عنه (مر 14: 35 - 42) وإلا
فكيف يعقل أن الله يرد دعاء مثله؟ (راجع أيضا يوحنا 16: 32 و33) .
وعلى هذا الوجه يكون الذين كتبوا الأناجيل أناسا لم يعرفوا حقيقة المسألة
فكتبوها كما شاع في ذلك الوقت واشتهر عند أكثر الناس.
وبعد الصلب جاء يوسف ونيقوديموس وهما يهوديان من أعضاء مجلس
السنهدريم وأخذا الجثة بأمر رؤساء الكهنة وأخفياها عن أعين أتباع المسيح
خوفا من أن يعرفوا الحقيقة، فتظاهرا بأنهما من أتباع المسيح في السر (يو 19:
38 و39) ليمنعاهم من دفنه بأنفسهم وأخذا الجثة ووضعاها أولا في قبر
ولما ذهب كل من كان واقفا من الناس نقلاها إلى موضع آخر لم يعلمه أحد.
ولما شاعت إشاعة القيامة واعتقدها بعض الناس كانت أولا قاصرة على
التلاميذ كما سبق، ولم يجاهروا بها أمام اليهود خوفا منهم (يو 20: 19 و 26)
وبعد نحو خمسين يوما كما في سفر الأعمال (2: 1 و14) بدءوا يخبرون
اليهود باعتقادهم هذا. ولكن في ذلك الوقت كانت جثة المصلوب قد تغيرت جميع
معالمها بسبب التعفن الرمي، ولا يمكن لليهود أن يحضروها بعد إخفائهم لها، وإذا
أحضروها فلا يقتنع بها أحد ولا يمكن أن يعرفها، فكان من العبث أن يحاول أحد
إقناعهم بذلك [5] .
ولذلك سكت رؤساء اليهود عن مثل هذه الحجة التي تظهرهم بمظهر
العاجز المتحير، وظنوا أن أحسن طريقة لإسكات النصارى هي استعمال
القسوة والاضطهاد لا مثل هذه المناقشة التي لا طائل تحتها. وربما أشاع
بعض عامة اليهود في ذلك الوقت فكرة سرقة تلاميذ المسيح الجثة من القبر
لأنهم لم يعرفوا الحقيقة، ولا يبعد أن بيلاطس نفسه دخلت عليه الغفلة من
رؤساء الكهنة والعسكر ولم يعرف هو أيضا الحقيقة، فإنه كان يحب المسيح
كثيرا هو وامرأته (متى 27: 19 و24) فكان هؤلاء الرؤساء يخافون أن
يؤمن به وخصوصا إذا تحقق أن المسيح أفلت من أيديهم واجتاز في وسطهم
بدون أن يروه كما يقول الإنجيل بعد أن كان بيلاطس يسعى في خلاصه منهم
بنفسه فلم يقدر (مت 27: 17 - 25) .
ولنا أن نسترسل في هذا الوجه ونقول كما قال متى: إن المسيح بعد ذلك
عاد إلى بعض تلاميذه لما ذهبوا إلى الجليل وأخبرهم بحقيقة المسألة، فبعضهم
صدق كلامه وأنه هو، وبقي البعض الآخر شاكا (مت 28: 17) متمسكا
بما ذهب إليه أولا من حصول الصلب له والقيامة من القبر.
أما الذين صدقوا فمن شدة حيرتهم ودهشتهم لم يفهموا منه جميع تفاصيل
القصة كما لم يفهموا كلامه في أثناء حياته عن موته وقيامته على ما سبق بيانه
مع أنهم لم يكونوا إذ ذاك في حالة من الحيرة والدهشة كهذه، ولذلك فاتهم
بعض أشياء من هذه القصة فاختلفوا في تصويرها للناس، ومن ذلك نشأت
فرق النصارى القديمة التي أنكرت الصلب، وقالت: إن المصلوب واحد آخر
غير المسيح لم يتفقوا على تعيينه، وقال بعضهم: إنه سمعان القيرواني الذي
تقول الأناجيل: إنه حمل الصليب (مت 27:32) وذلك مثل طائفة
الباسيليديين (BASILIDIANS) كما ذكره جورج سيل الإنكليزي
في ترجمته للقرآن الشريف في سورة آل عمران صفحة 38.
فإن قيل: ولماذا لم يظهر المسيح نفسه لليهود حينئذ ويكذبهم في قولهم
بصلبه؟ قلت: لعله خاف منهم (يو 7: 1 و10 و11: 54 و12: 36) على
أن هذا السؤال وارد على النصارى بالأولى، بأن يقال: لماذا لم يظهر نفسه
كما وعد المنكرين له بعد قيامته؛ حتى يؤمنوا به، وحتى لا يشك فيه نفس
تلاميذه؟ فما يقولونه في الجواب عن ذلك هو عين جوابنا نحن أيضا.
هذا وإذا لم يثبت أن المسيح عاد للتلاميذ وأخبرهم بالحقيقة فلا غرابة في
ذلك؛ لأنه كان قد لمح لهم بها من قبل حادثة الصلب؛ فقال لهم (يو 16:
32) (هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته