له الدول الكبرى ذلك الإنذار بوجوب جعلها للبلغار لم يقبل أن يستقل بذلك دون
استشارة أهل الحل والعقد في العاصمة فجمع الجمعية الملية في حضرة
السلطان، فكانت مؤلفة من أفراد الأسرة المالكة ووزراء الدولة الحاليين
والسابقين وأعضاء مجلس الأعيان وكبار العلماء وأمراء العسكرية، وهذه هي
الاستشارة الشرعية التي يوجبها الشرع الإسلامي، ويهزأ بها الاتحاديون
ويعدونها من الجرائم.
ولما قررت هذه الجمعية في القصر السلطاني ترجيح الصلح وتفويض
الأمر فيه إلى الوزارة، ولم تبال بالإصرار على أدرنة في سبيل مغاضبة
الدول الكبرى في هذه الأزمة السياسية والعسرة المالية، اجتمعت وزارة كامل
باشا لوضع جواب للدول تشترط فيه شروطا تتعلق بأمن الدولة على باقي
بلادها ومساعدة الدول الملية والأدبية لها لتلم شعثها. وهذا كل ما يدخل في
الإمكان، ولكن عاجلها الاتحاديون بالثورة لإسقاطها بشبهة واهية كما ظهر
ذلك للعيان.
(مخادعة الاتحاديين للأمة)
لا يزال الاتحاديون وكتابهم الأجراء والمنافقون يوهمون الأمة العثمانية
بل الإسلامية أن الاتحاديين لم يقوموا بهذه الثورة إلا لأجل إعادة الحرب؛ لإعادة
شرف الجيش وإظهار قوته واستعادة أدرنة، سياج الدولة والحافظة لها من
الزوال.
كذب المنافقون؛ فإن سادتهم زعماء جمعية الأحمرين ومدبري الثورات
والفتن قد صرحوا في أوربة بأنهم يريدون السلم لا الحرب، وصرح محمود
شوكت باشا بمثل ذلك رسميا، ولم يستطع أن يبرر الثورة التي جاءت
بوزارته إلا بطلب شق من مدينة أدرنة لدولته وإعطاء الشق الآخر للبلغار،
وهو خير الشقين عمرانا، فهل هذا هو الذي يعود به شرف الجيش ومجده
وتحفظ به المملكة من الزوال؟
إن وجود أدرنة بحصونها التي عني بها السلطان عبد الحميد وزادها ناظم
باشا تحصينا، لم يدفع جيش البلغار عن الوصول إلى ضواحي الآستانة، فهل يحفظ
لنا نصفها الآهل بالقبور ولايات الأناضول والعراق وسورية وجزيرة العرب بعد
أن ذهبت ولايات أوربة كلها من أيدينا، بجهل المفتاتين على الدولة وخيانتهم
وفسادهم؟
(مقصد الاتحاديين من الثورة)
قد عرف الخاص والعام أن الاتحاديين قد دبروا ثورتهم لأجل أن
يستعيدوا السلطة لأنفسهم، فكان من دسائسهم التحريض على الحرب قبل
وقوعها، والدولة غير مستعدة لها، ليجدوا من ذلك منفذا لاستعادة السلطة،
ثم إن بعض زعمائهم كطلعت بك وجاويد بك نظموا أنفسهم في سلك
المتطوعين؛ ليبثوا دسائسهم في الجيش ويخذلوه وقد فعلوا، ثم لما عقدت
الهدنة صاروا يظهرون المعارضة في الصلح ويهيجوا الناس لطلب ذلك، فلما
صار الأمر إليهم صرحوا بأنهم يريدون الصلح والسلم دون القتال، فما هو
غرضهم إذا؟ إن اعتقادنا الذي ما كاشفنا به عثمانيا عارفا إلا ووافقنا فيه هو
أنهم لم يفعلوا فعلتهم ويكيدوا مكيدتهم إلا لأجل الذهب، وكنت منذ شهور
أصرح بتوقع ذلك، وأقول: إنهم إذا عادوا يبيعون بلادنا، ويسلبوننا هذه البقية
التي في أيدينا بتدبير اليهود الصهيونيين الذين يدبرون جمعيتهم كما يريدون،
وكيف ذلك؟
طرق استنزاف المال من الدولة لا تزال كثيرة، فمنها الإعانات
والضرائب الحربية والملية سواء سميت اختيارية أو إجبارية، ومنها
القرض الداخلي وهو من الضرائب، ولكن تختلف الأسماء، ومنها القراطيس
المالية يسلبون بها الذهب والفضة من البلاد، فلا يبقى في أيدي الناس إلا
أوراق لا يمكن أن ينال أحد رغيفا واحدا بورقة منها، وإن كان ثمنها مائة
ليرة، ومنها ذخائر السلاطين وجواريهم، وقد بلغنا أنهم مدوا أيديهم إليها
عندما هاجمت إيطالية الدردنيل فوضعوها في صناديق لأجل تهريبها:
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
ومنها بيع مزارع السلطان عبد الحميد لليهود الصهيونيين، ومنها
الامتيازات الزراعية والصناعية والتجارية، وما فيها من السمسرة وغير