تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بزمام المنافع والمناصب والرتب والرواتب، غرورا بما كان من خضوعهم

لعبد الحميد، وببعض المنافقين الذين رأوهم مستعدين لخدمتهم في كل شيء

باسم الدين، ثم بدا لهم من علماء الآستانة ما لم يكونوا يحتسبون، كانوا قد

استمالوا إليهم جمهور العلماء فلما خبرهم الأذكياء من هؤلاء العلماء وبلوهم،

قلوهم وهجروهم، وأسسوا الجمعية العلمية لوقاية الإسلام والمسلمين من

كيدهم، وبقي يدهن لهم أكثر موظفي المشيخة الإسلامية الذين عرفوا حقيقة

حالهم، والتبس الأمر على بعضهم فكانوا يحسنون الظن فيهم، لأنهم لم يعرفوا

أحدا منهم إلا بعد حادثة (31 مارس - 13 أبريل) التي صاروا بعدها

يحسبون للدين ورجاله حسابا، وناهيك بعلماء الآستانة ونفوذهم الروحي في

الشعب التركي، فقد أخبرني محمود شوكت باشا في أول اجتماع كان لي معه أن

الحكومة لا تستطيع أن تعمل عملا إذا كان العلماء كارهين له يأبون وجوده،

قال هذا عندما بينت له مشروع الدعوة والإرشاد وبين لي رأيه فيه. وأنه لابد

أن يكون بصفة لا يستنكرها العلماء، قلت له: أنا أضمن استحسان جميع

العلماء له وتمنيهم تنفيذه.

بل رأيت الدكتور ناظما على صلابته في مقاصد الجمعية وما علمته عنه

من العزم على تجريد الحكومة العثمانية من الدين يدهن لعلماء الآستانة

ويوهمهم أنه هو وجمعيته يودون خدمة الدين. فقد دعيت إلى الحفلة التي

كرمت الجمعية بها الحاج عمر الياباني الذي أسلم وحج وزار الآستانة بعد

حجه، وكانت تلك الحفلة في نادي نور عثمانية أشهر أندية الجمعية في

الآستانة وكان من المدعوين بعض كبار العلماء، وخطب منهم محمود أسعد

أفندي ناظر الدفتر الخاقاني بالتركية، وخطب كاتب هذه السطور بالعربية، وقام

الدكتور ناظم فتكلم كلاما قال فيه إن الإسلام محتاج إلى خدمة عظيمة من العلماء

وهم مقصرون لا يقومون بالواجب عليهم، وأهم هذه الخدمة الدعوة إلى الإسلام

وتعميم الإرشاد الإسلامي، فعندئذ قال له مصطفى أفندي أوده مشلي مستشار شيخ

الإسلام، وكان جالسا بجانبي: إن القيام بهذا الواجب لم يكن متيسرا في زمن

الاستبداد، والآن اقترح رشيد أفندي مشروعا يكفل القيام به على أكمل وجه

وننتظر مساعدة الحكومة عليه، أو قال: مساعدتكم، أي مساعدة الجمعية، الشك

مني، وقد استبشرت حين سمعت هذه الكلمة من الدكتور ناظم لأنني كنت أسمع أنه

رجل الجد وأنه ليس كثير الكذب والنفاق كطلعت بك، فجئته وقلت له إذا كان هذا

رأيكم فالمرجو منكم أن تكلموا طلعت بك بإنجاز وعده لنا وتنفيذ المشروع. فقال لي

ما معناه: ليس هذا بالوقت المناسب لهذا العمل فلا بد من انتظار سنة أو سنتين.

فتأمل.

ومما عملته الجمعية لإبطال نشر هداية الدين:إصدار أوامر عامة لجميع

رؤساء الإدارة في الولايات العثمانية بمنع الاجتماع في المساجد لإلقاء الخطب

ونحوها وتصريحها بأن المساجد للصلاة دون غيرها. وهذا من جهلهم

بالإسلام وتاريخه فإن المساجد كانت في الصدر الأول لجميع مصالح المسلمين

كالمشاورة في الأمور العامة والوعظ والقضاء وتوزيع الصدقات وغير ذلك.

وجملة القول: أن جمعية الاتحاد والترقي كانت عازمة على إزالة نفوذ

العلماء من الأمة وكل تأثير للدين فيها إلا التأثير السياسي الذي يوافق مقاصد

الجمعية تستخدم له من أرباب العمائم من يميل مع القوة والمنفعة حيث تميل

كالشيخ صالح التونسي والشيخ عبد العزيز شاويش وأضرابهما، وكان

زعماؤها يعتقدون بأنه لم يبق للدين تأثير يؤبه له. ولكنهم بعد مسألة طرابلس

الغرب غيروا رأيهم وعزموا على الجد في الاستفادة من فكرة الجامعة

الإسلامية وهو ما نبينه في النبذة التالية:

(4)

عبث الاتحاديين بالجامعة الإسلامية

لي كلمة في زعماء جمعية الاتحاد والترقي كادت تكون مثلا في سورية

وهي: إن هؤلاء الاتحاديين قد توسلوا إلى مقصدهم بكل شيء إلا الحق. ولكنهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٦٣