تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمكنها من شراء مدرعة وطرادة من الدرجة الأولى في كل سنة.

إن أكثر الضباط الذين تعول عليهم الجمعية في نصرها من الملحدين أو

المرتشين في دينهم، ومنهم الذين يصرحون بالكفر تصريح الحقود المنتقم من

الدين، ومن ذلك ما حدثني به بعض الثقات في الآستانة عن بعض الباشوات

أنه قال: لو كان في بدني شعرة تؤمن بفلان - وذكر خاتم الرسل وسيد العرب

والعجم صلى الله عليه وسلم - لقلعتها مع اللحم الذي حولها وألقيتها. ومن لم

يجدوه على مثل هذا الفساد من قبل حاولوا إفساده بالسياسة، فكانوا لا يقبلون

ضابطا في الجمعية إلا إذا دخل الماسونية، وهذا وذاك أهم الأسباب التي

حملت أمير الألاي صادق بك الشهير على محادة الجمعية ومقاومتها، بعد أن

عجز عن إقناع زعمائها بترك هذه المفاسد. وكان محمود شوكت باشا جاراه

بإظهاره له أنه مجتهد في منع الضباط من الاشتغال بالسياسة وجهر بذلك في

خطبة له في نظارة الحربية، وخطبة أخرى في أدرنة، كنت من المعجبين

بهما وبه يومئذ وأنا في الآستانة، ثم ظهر لصادق بك أن ذلك خداع، ثم ظهر

لسائر الناس أيضا في العريضة التي استقال بها محمود شوكت باشا من نظارة

الحربية، فإنه صرح فيها بأنه يترك تنفيذ قانون منع الضباط من السياسة لخلفه،

أي أنه لا يمكنه تنفيذ هذا القانون وهو الذي أسلس العنان للضباط حتى

توغلوا في السياسة أن يمنعهم منها عند ما قامت ثورة طائفة كبيرة منهم في

بلاد الأرنؤوط طالبين إسقاطه وإسقاط جمعيته.

مثل جمعية الاتحاد والترقي في إضعاف الدين في الجيش وإخراج عدد كثير من

الضباط المتدينين من صفوفه كمثل من كان له بيت يؤويه ويقيه فواعل الجو

فهدمه لأنه صار يراه غير لائق بمقامه، ولكن قبل أن يبني له بيتا آخر على

النحو الذي يحب، فبينا هو في العراء يفكر ويقدر ويجلب بعض الحجارة لبناء بيت

آخر عصفت الريح فأثارت السحاب فاعتلجت فيه البروق، وقصفت الرعود،

وانهمر الصيب الهتون، فجرفه هو وما كان جلبه لبناء البيت.

إنهم أرادوا أن يستبدلوا الوطنية العثمانية والجنسية التركية، بما يهدمون

من الرابطة الإسلامية والنزعة الدينية، التي لولاها لم يكن الجيش العثماني

مضرب المثل في شجاعته وبأسه وثباته في مواقف النزال، وبلائه في معارك

القتال، فأنشأوا أناشيد وأغاني باسم الوطن التركي والجيش العثماني، ليخلقوا بها

شعورا جديدا للجند يقوم مقام الشعور الديني، ولعل هذا من أقوى الجوامع التي

جمعت بينهم وبين زعماء الحزب الوطني المصري، فإن هذا الحزب يفخر

دائما - وليس له أثر صالح في البلاد - بأنه أوجد الشعور الوطني، وهذا الشعور

هو الذي يخرج الإنكليز من القطر، ومن حسن حظ مصر أن هؤلاء المغرورين لم

يتولوا أمرا من أمور البلاد، وأما الاتحاديون فمن سوء حظنا أنهم تولوا أمر المملكة

ثلاث سنين أفسدوا فيها ما لم يستطع عبد الحميد مثله في ثلاثين سنة.

شهد العلماء الذين أرسلتهم الحكومة لوعظ الجيش في شتالجة بأنه تبين

لهم بعد الاختبار أن أهم أسباب انكساره في هذه الحرب قد كان مما أودعه

الاتحاديون في نفوسهم من أن وظيفة الجيش الدفاع عن الوطن بعد أن نزعوا

منها الاعتقاد بأن هذا الدفاع مشروع دينا وأن الذي يقتل فيه شهيد له عند الله

حياة خير من هذه الحياة ذات نعيم دائم ورضوان من الله أكبر.

وشهد عظماء الألمانيين الذين يتلقى الجيش العثماني عنهم فنون القتال أن

أهم أسباب انكساره هي إفساد الاتحاديين له بإشغاله بالسياسة، وقد بينا أن

هاتين المفسدتين متلازمتان، فإنهم ما اجتهدوا في إضعاف الدين إلا لغرضهم

السياسي، وما أدخلوا الضباط في السياسة إلا للاستعانة على مقاصدهم بالقوة؛

لعلمهم بأنهم عاجزون عن الوصول إليها بإقناع الأمة. وقد كانوا يظنون

عقب الانقلاب أنه يتسنى لهم أن يقودوا جميع علماء الآستانة وعلماء الولايات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٦٢