حكمه، وعلى أن يتعاونا على تأمين جميع البلاد التي يصل نفوذهما إليه، ومنع
غزو الأعراب بعضهم لبعض فيها، وعلى نشر العلم الديني وما يعد فرض كفاية
من علوم الدنيا في بلادهما، وعلى تنظيم قوتهما الحربية على قاعدة قول الله
عز وجل: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (الأنفال: 60) والمرابطة فيها لحفظ
الحرمين الشريفين وما هو سياج لهما من جزيرة العرب، وأن يتحدا على هذا مع
أميري اليمن والإمام الإدريسي، فبهذا يرضيان الله ورسوله والمؤمنين، ويكفيان
الدولة مؤنة إرسال الحملات العسكرية المرة بعد المرة إلى العراق والشام واليمن
ونجد، وسفك دماء المسلمين فيها لإخضاع العرب أو حفظ الأمن، أو جمع السلاح
وما أشبه هذه الأسباب والحجج، التي كثيرا ما كانت باطلة، ناشئة عن وشاية
سافلة أو نية سيئة. وأقترح أن يتضمن هذا العهد والميثاق إعانة الدولة على كل
حرب تكون بينها وبين أعداء الإسلام من تنازع أهله وتفرقهم وسفك بعضهم دماء
بعض، وإنه لولا هذا التفرق والشقاق ما زال ملك الإسلام من الشرق والغرب، ولم
يبق له إلا هذه البقعة المهددة بالزوال في كل يوم، وإن الدولة العثمانية -أيدها الله
بتوفيقه - لا تقدر أن تحمي بعسكر الأناضول عاصمتها وبلادها الأوربية والآسيوية
ثم تحمي به الحرمين وجزيرة العرب، وإنما يقدر على ذلك العرب وحدهم إذا اتفقوا.
وليعلم أن زوال قوة العرب من الجزيرة ستفضي إلى وقوعها في قبضة
الأجانب في أسرع وقت وأقربه فلا يبقى للمسلمين استقلال ولا حرية في الأرض،
إلا بقدر ما تنعم به أوربة عليهم.
ألا وليعلم ابن الرشيد وغيره أن دول أوربة يراجع بعضهم بعضا القول في
تحديد مناطق نفوذهم السياسي والاقتصادي في البلاد العربية والأناضول، وأنهم
يتشاحون في قسمتها كما يتشاحون في قسمة المال؛ لأن صاحب كل منطقة يتفقون
على إعطائها له يعد نفسه مالكا لها بحق الفتح الإسلامي، ولم يبق من عذر لأحد
في الاغترار باعترافهم باسم الدولة. فإن بقاء هذا الاسم أنفع لهم من عدمه،
لأنهم يستعملون به في نفوذها الصوري والمعنوي لإدارة البلاد وإخضاع
المسلمين فيوفرون مالهم ورجالهم. فإذا اتفقوا على القسمة كما هو المنتظر في
كل يوم، وانفردت كل دولة بالنفوذ في ساحل من سواحل جزيرة العرب، فقل على
الجزيرة والحجاز السلام، لأن حياتها المادية خرجت من أيدي أهل الإسلام، فمن
كان لديه غيرة وقوة فكر فليفكر في استعمالها لتلافي هذه الأخطار، لا لتهديد طلاب
الإصلاح في الولايات.
***
(حرية المسلمين الدينية بمصر)
لدعاة النصرانية المبشرين عدة مدارس ومستشفيات وصحف في مصر لا
غرض لهم منها إلا تنصير المسلمين، وقد ساعدتهم الحكومة المصرية على إنشاء
مدارسهم ومستشفياتهم باسم نشر العلم وعمل الخير، ثم إنهم ينشرون في كل سنة
عدة كتب ورسائل في الطعن في القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام وتنفير
المسلمين من الإسلام. دع النشرات والأوراق الصغيرة التي ينشرونها في
المستشفيات، والخطب التي يلقونها فيها وفي سائر معاهد التبشير. وقد عز عليهم
مع هذا أن يكون للمسلمين في هذا القطر الإسلامي كله صحيفة إسلامية واحدة ترد
عليهم وتدافع عن الإسلام، فسعوا بواسطة بعض قناصلهم إلى لورد كتشنر ورغبوا
إليه أن يأمر الحكومة المصرية بإلغاء مجلة المنار وإبطال صدورها، وبمحاكمة
صاحبها هو والدكتور صدقي الذي يساعده في الرد عليهم، أليس من عجائب الغلو
في تعصب القوم أن يسعى إلى هذا أو يتحدث به أو يفكر فيه بعض أبناء الأمتين
الأمريكية والإنكليزية، أعرق أمم الإفرنج في احترام الحرية.
وقد سئلنا عما ينشر في المنار من الرد على النصارى فأجبنا: إننا أقدمنا على
هذا العمل مدافعين لا مهاجمين، وإن هؤلاء المبشرين قد كتبوا في الطعن في ديننا
أضعاف ما كتبنا، إن هذا الرد واجب علينا شرعا بل هو من فرائض الكفاية إذا لم