والإنكليز محبي الإنصاف أو المعارضين لحكومتهم في سياستها الاستعمارية.
فحصر عمله في هذين الأمرين، فقامت عليه قيامة جريدة اللواء وأنصارها،
وسموا المؤيد بالمقطم الأحمر؛ لأن الوطنية وخدمة مصر عندهم تتجلى في شيئين:
مطالبة الانكليز بالجلاء عن مصر، وشتم نظارة الحكومة وذم كل عمل تعمله في
مصر. أما الفقيد فقد اغتنم فرصة إصرار اللواء على الغلو في المعارضة للسير
على ما أوجبه عليه تغير السياسة الخارجية وطول التجربة والاختبار من الاعتدال
في المعارضة، وإقامة الحجة لمصر بأن فيها من يتكلم ويناضل بالحجة والبرهان لا
بالتمويه ومكابرة الحسن والعيان، وكان يرى أن الحماقة والجهل، قد تكون مجنا
للروية والعقل، فيكره أن يصادر اللواء في حريته، على إيذائه له ولوطنه.
أما عمله في مصر لمصر فطرقه وأنواعه كثيرة، منها ما هو خاص بتنبيه
الأهالي وإرشادهم إلى ما ينفعهم في التربية والتعليم والآداب والفضائل، وفي
الكسب والاقتصاد والتعاون على الخير، ومنها ما يتعلق بحقوق الأمة على الحكومة،
والتعارض والتجاذب بين مصر والمحتلين.
وكان ركن سياسته المصرية الركين تأييد نفوذ الأمير الشرعي الخديو وسلطته
في كل أمر، والتوسل إلى ذلك بكل ما يمكن، ويحتج بأن كل ما زاد في سلطته
ونفوذه فهو ربح لمصر على الاحتلال، وكل ما نقص منها فهو مزيد في سلطة
الاحتلال ونفوذه.
فكل أمر للأمير فيه رأي أو قصد فهو الخادم الأمين له فيه، ينصره برأيه
وقلمه ولسانه، وإن خالف رأي نفسه إلا أنه في هذه الحالة قد يتلطف في عرض
رأيه على مسامع الأمير قبل الشروع في العمل، فإن قبل فذاك، وإلا أخذ بقول
الشاعر:
سيد القول ما يقول الرئيس
وقد ثبت على هذه السياسة واستقام على هذه الطريقة طول حياته، ولقي في
ذلك من الألاقي ما يلقاه أمثاله من كيد الحاسدين له على قربه من أريكة الملك،
ومعارضة المخالفين له في السياسة والرأي، وخسر كثيرا من الأصدقاء الذين لا
ينكر ما لهم عليه أو على الأمة من الفضل؛ لأن هؤلاء يرون أن الإخلاص للبلاد
في خدمة الأمير إنما تكون بحسب اعتقادهم ورأيهم وإن لم يرضه أحيانا.
وقد كانت إضاعته لبعض هؤلاء الأصدقاء الأوفياء أنهض حجج من رموه بقلة
وعدم الوفاء، ويقل من يعرف كنه هذه الوقائع ويزنها بالقسطاس المستقيم، ويقل في
هذا القبيل من يبين للناس ما هو الراجح والمرجوح في هذا الميزان، للتعريف
بحقيقة هذا الرجل الذي يقل مثله في الرجال.
إننا سمعنا بعض الذين رثوا الرجل في منظومهم ومنثورهم قد وصفوه بأنه
أوفى الأصدقاء، في هذا الزمن الذي قل فيه الوفاء، وإنني - ولا أنكر أن بعض
الناس غلوا في إطرائه - أقول: إنه كان ذا وفاء يقل من يفضله به، وأما الذين
يصفونه بعدم الوفاء فمنهم صاحب الهوى المتبع الذي يتكلم بسوء قصد، ومنهم
المنصف الذي يعتقد ما يقول.
أما سيئ القصد فلا علاج لمرضه ولا جواب لقوله، وأما المنصف فله عندي
جواب استخرجته من الشواهد التي عرفتها في هذا الباب، ولعلها أوضحها وأكبرها،
وهو أن الرجل كان سياسيا قبل كل شيء، فهو ما ترك صداقة صديق إلا في
سبيل السياسة، وإلا بعد أن تعذر عليه الجمع بين صداقته وبين ما تقتضيه تلك
السياسة.
وما لي لا أصرح فأقول كان إذا غضب مولاه، الذي تدور سياسته على قطب
رحاه، على أحد أصدقائه، يبذل كل ما يراه في وسعه من وسائل إرضائه، فإن لم
يستطع حافظ على مودته بالقدر الممكن، فإذا رأى أنه مضطر إلى هجره هجره
هجرا جميلا، وإذا اضطر إلى كتابة ما يسوؤه لا يتعدى حد الضرورة التي تقتضيها
السياسة إلا قليلا. وإذا استطاع في أثناء ذلك أن يخدمه بشيء خدمه، إن لم يكن
ذلك في الجهر، فمن وراء الستر. وهل يستطيع السياسي الذي يخدم الأمراء
والملوك أكثر من هذا؟
كأني ببعض هؤلاء المنصفين يقول إذا قرأ هذا: إن عندي انتقادا آخر على