السلطان على إعلان الدستور ثم خلعه بقوة السلاح، وما ترتب على ذلك من الشقاق
والخذلان، الذي نشكو من سوء عواقبه إلى الآن.
وجملة القول في سياسة المؤيد العثمانية أنها بنيت أولا على أساس المسألة
المصرية، وقصد بها تقوية الصلة بين الدولة ومصر، وبين السلطان والخديو،
وكان الشيخ علي لا يعرف في أول العهد بها من أمر الدولة والسلطان شيئا، إلا ما
اقتضته الحال من تلك الحركة الخديوية، ووافق ما جبل عليه من النزعة الإسلامية،
ثم إنه صار كلما زاد علما بالدولة واختبارا يتلطف في النصح، ويساعد طلاب
الإصلاح من العثمانيين، مع مراعاة ما كان يرمي إليه من تقوية الصلة بين مصر
والدولة العلية، والمحافظة على كرامة السلطان إن لم يكن لذاته فلما هو متحمل به
من لقب الخلافة الإسلامية، ولما بينه وبين عزيز مصر من الرابطة الرسمية.
وأما اللواء فقد بدأ سياسته العثمانية بما تلقفه من سياسة المؤيد في طفولته أي
المؤيد وغلا فيها كدأبه وعادته، وكان كلما زاد صاحبه معرفة بسوء حال السلطان
عبد الحميد وزبانيته، يزداد غلوا في إطرائه وتقديسه، وإسرافا في التشنيع على
طلاب الإصلاح للدولة. ذلك بأنه كان له راتب مالي يأخذه من المابين فوق ما نال
من الرتب والأوسمة لنفسه ولكثير من المصريين، وفوق المال الذي كان يأخذه
بأسماء أخرى كعقد الاحتفالات السنوية بعيد الجلوس السلطاني في أوربة، ووراء
ذلك ما لا يحسن ذكره في هذه الترجمة فإذا كان هذا هو الثبات المحمود عند الذين
يطعنون في الشيخ علي لتحوله عنه فأعدل ما نحكم به في هذه القضية قول الخليفة
العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
على أننا رأينا الشيخ ثبت على خدمته للدولة في تقوية حقوقها في مصر،
وناهيك بتلك الغارة الشعواء التي شنها على حكومة بلاده في مسألة القضاء الشرعي
إذ أرادت بضغط الإنجليز أن تبطل جعل تولية قاضي مصر الأكبر من حقوق
السلطان يرسله من الآستانة وفي إعانة المصريين لها بالأموال، ولا سيما في أزمنة
الحروب والشدائد، وفي تقوية الصلة بين عابدين والمابين كما يقال في عرف هذا
العصر وقد ختم ذلك بأفضل خاتمة، وهي تأسيس جمعية الهلال الأحمر، واستقال
أخيرا من لجنة إعانة الحرب البلقانية؛ لأنه اقترح أن ترسل اللجنة إلى الدولة ما
بقي في صندوقها من المال وهو مبلغ كبير، بعد انتهاء الحرب، فأبى الرئيس
وأكثر الأعضاء ذلك.
فليدلنا المعارضون على خدمة غيره لها، التي تضاهي خدمته وتغني غناءها،
ومن سبر غور السياسة يعلم أن حملته على الاتحاديين كانت أنفع للدولة في سياستها
ومصلحتها الدائمة من تلك الإعانات المالية؛ لأنه تفيد في إصلاح سياستها الدائمة،
والإعانة منفعة مؤقتة عارضة، ورحم الله الأستاذ الإمام حيث قال: ما وعظك مثل
لائم ولا قومك مثل مقاوم.
سياسته المصرية:
كانت مقاومة الاحتلال والسعي لجلاء الجيش الإنكليزي عن مصر من قواعد
سياسة المؤيد الأساسية، وقد كان ذلك مرجوا لأن حكومة لندره كانت تصرح رسميا
بأن احتلالها للبلاد المصرية مؤقت وأنها ستنجلي عنها؛ ولأن دول أوربة كانت
معارضة لها في احتلالها معرقلة لكل ما يثبت قدمها، وأشدهن في ذلك فرنسة،
ولأن الدولة العثمانية كان يحسب لها حساب كبير في هذا. فلما عرف الفقيد حقيقة
الدولة العثمانية، ومنتهى شوطها في المسألة المصرية ورأى كيف رجعت فرنسة
القهقرى في حادثة فشوده الشهيرة، ثم كيف عقدت سنة 1904 مع إنكلتره الاتفاق
على ترك حقوقها لها بمصر، في مقابلة مساعدتها على احتلال مملكة مراكش، ثم
كيف تتابعت سائر الدول الكبرى على إقرار إنكلتره على احتلالها في مصر،
وإعطائها العهود على عدم معارضتها فيه، لما علم ذلك رأى أن العمل النافع لمصر
إنما يكون فيها وفي لندره؛ لأن الجذب والدفع صار محصورا بين المصريين