وحكومتها، وتعتمد على سعيها وعملها في إصلاح نفسها وإصلاحها.
ومما أعرفه للشيخ علي رحمه الله تعالى من المزية في سياسته العثمانية بل
في أخلاقه وسجاياه الفطرية، إنه كان كلما ازداد علما وخبرة بأحوال الدولة ازداد
ميلا إلى مساعدة طلاب الإصلاح من العثمانيين على ما يطلبونه، ولكن مع روية
واعتدال، ومحافظة على كرامة السلطان لعدة أسباب منها مراعاة صلة الولاء بينه
وبين الخديو التي كان هذا يحافظ عليها فلا ينقطع عن زيارة ذاك سنة من السنين
ومنها ما كان يراه أولا من نفع تعلق المصريين به في المسألة المصرية ومنها اتقاء
أن يظنوا أنه صار خصما للدولة. ومنها أن مفاجأة الناس بخلاف ما يرونه ربما
يفضي إلى ضد ما يراد منه. وينفرهم من المؤيد فلماذا لم يعد خصومه هذا من ثباته
على حفظ كرامة السلطان ويعدون مساعدته لطلاب الإصلاح من التقلب في السياسة
وعدم الثبات.
لا أذكر من الشواهد على رغبته في معرفة حقيقة حال الدولة ومساعدة طلاب
الإصلاح فيها ما كان بينه وبين مراد بك صاحب جريدة ميزان الذي كان من زعماء
جمعية الاتحاد والترقي الأولى، ولا ما كان من صلته بمحمود باشا الداماد، فإن هذا
مما لا أعرف حقيقته وخفاياه. وأكتفي بأصح الشواهد وأثبتها وهو ما وقع لي معه:
إنما كثر اجتماعي به وكان مبدأ صحبتي له في سنة 1316 إذ كنت أطبع المنار
بمطبعته في أواخر سنته الأولى وأوائل سنته الثانية قبل شراء مطبعة له، وما كان
أسرع ما وثق بي على قلة ثقته بالناس، ولما رأيته يحدثني بحرية واستقلال فكر،
ويقبل مني ما أذكره له من الانتقاد على الدولة والسلطان، خلافا لأكثر من عرفت
في مصر من الإخوان، رغبت إليه في جعل المؤيد لسانا لطلب الإصلاح في الدولة،
فقال لي: اكتب ما تشاء من رأيك في ذلك مع الاعتدال وحفظ كرامة السلطان،
وذلك كاف في إيصال هذه الأفكار والآراء إلى الناس. فكتبت عدة مقالات في
موضوع حاجة الدولة إلى الإصلاح وما يجب منه في هذا العصر، فكان ينشرها في
صدر المؤيد غالبا كما ينشر غيرها من مقالاتي التي كنت أذيلها بإمضاء م. ر
ويعزوها هو إلى أحد أفاضل الكتاب المجيدين.
ما كنت أظن يومئذ أن أحدا من المتعلمين المدركين في مصر ينكر عليه نشر
تلك المقالات؛ لأنني كنت أنشر في المنار ما هو أشد منها في تمثيل الخلل والفساد،
وما يجب على الأمة والدولة من الإصلاح، حتى دخلت عليه يوما فإذا هو في جدال
مع محمد بك فريد في مقالة من تلك المقالات، كان فريد يقول له: إن نشر مثل هذه
المقالة يعد خروجا من المؤيد على خطته، وإن ذلك قد ساء إخوانهم الوطنيين
جدا ... وقد علمت منه بعد ذلك أن كثيرا من أصحابه كلموه بهذا اللسان، ولم ير أن
يذكر لي ذلك حتى سمعت بأذني، وأطلعني أيضا على رسالة جاءته من تونس
وأخرى من جاوه في الرد على مقالة من مقالات المنار ساءت كثيرا من الناس في
تلك الأقطار، إذ عدوا النصيحة لجهلهم عداوة للدولة وخروجا عليها، ولكنه لم
ينشرهما؛ لأنه كان يرى أن ما ينشره المنار حق، وقد كتب بمداد الغيرة
والإخلاص للدولة.
أليس هذا دليلا على كونه كان يراعي المصلحة العامة، ويحب إصلاح الدولة
ويساعد المصلحين، بشرط أن لا يضر بنفسه ولا بجريدته؟ بلى وأنا على ذلك من
الشاهدين، ولعله لولا ظهور جريدة اللواء والتزامها خطة الغلو في تقديس السلطان
عبد الحميد وفي المسألة المصرية ووقوفها للمؤيد بالمرصاد، وإسامتها تأويل كل ما
ينشر فيه بقلم الروية والاعتدال، لما وقف المؤيد بالمصريين عند ما عهدوا من
السياسة العثمانية، بل لسدد وقارب في السير إلى الغاية التي تجب، وهي معرفة
حقيقة حال الدولة ومعرفة حقيقة أنفسهم، ومكانهم منها ومكانها منهم، وما يجب
عليهم لها ولأنفسهم، ولكانت مصر حينئذ هي المعين الأكبر لأحرار العثمانيين على
ما كانوا يطلبون من الإصلاح، ولوصلوا بذلك إلى خير مما كان من إكراه الجيش