تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعض العثمانيين المبتهجين به. ثم لما استقرت السلطة لجمعية إعلان الدستور

وصار بيدهم المال والقوة قدسوهم كما كانوا يقدسون السلطان عبد الحميد.

هذا ملخص ما يرد به أنصار الشيخ على خصومه في مسألة ثباته على

سياسته العثمانية في جوهرها، وهو أنه كان يتبع المصلحة ويدور معها، وهم

يتبعون رجال السلطة ويدورون معهم، وقد فتح ههنا الباب لخصم ثالث يقول: إن

الشيخ عليا كان من أنصار عبد الحميد أيضا، بل هو أستاذ مصطفى كامل في الغلو

فيه، وقد نال من رتبه وأوسمته أكثر مما نال مصطفى كامل، وبقي ثابتا على

الثناء عليه فلم ينقلب عليه بعد سقوطه، كما انقلب عليه تلاميذ مصطفى كامل،

وكنا ننتظر أن يعد أنصاره هذا من ثباته، ولكنك تذكر عنهم أن الشيخ كان يتبع في

خدمة الوطن العلية المصلحة، لا الرجال الذين بيدهم المال والقوة، فهل كان الشيخ

علي يجهل أن السلطان عبد الحميد مخرب للدولة أم لا؟ إن قلت: نعم فما هو

بالسياسي، وإن قلت لا فما هو بالناصح الذي يتبع المصلحة. وإنما الناصح في هذه

المسألة هو المقطم دون المؤيد ودون اللواء الذي تلقى عنه السياسة الحميدية

كالمصرية، ثم أربى عليه في الغلو فيها وغش الناس بمدح ذلك السلطان المخرب.

فما قول أنصار الشيخ الذي يبالغون في مدح سياسته فيغرقون في هذا؟ وما قولك

وأنت تبحث في سياسته بحث المؤرخ الصادق المنصف.

أقول: إن آخر ما أعرف من شوط أنصار سياسة المؤيد في هذه المسألة أن

السلطان كان هو الدولة، فكان لا بد لمن ينتصر لها؛ لكونها إسلامية وللتقوى بها

على الاحتلال الأجنبي في مصر من مدح السلطان والدفاع عنه كيفما كانت سيرته

في سياسته وإدارته للمملكة. والسياسي لا يكون صوفيا ولا ناسكا يلتزم الحق من

كل وجه، بل يلتزم مصلحته والمنفعة التي اتخذها قاعدة لسياسته. والمقطم ما كان

يذم السلطان ويندد بمخازيه انتصارا للحق وغيرة على الدولة، بل ليصرف عن

الدولة قلوب المصريين ويقطع حبل رجائهم فيها خدمة للاحتلال، لأجل هذا كان في

حجاج وخصام دائم مع المؤيد ثم مع اللواء الذي اتبع سنن المؤيد، وغلا فيها غلوا

كبيرا، وأما الانتفاع برتب السلطان وأوسمته فلا يلام عليه مثل الشيخ علي ولا

مصطفى كامل، لأن المتصدي للزعامة السياسية يحتاج إلى ذلك؛ لأنه يزيد في

جاهه ويعلي من كلمته، ويؤهله للقاء عظماء الحكام والسياسيين أصحاب المناصب

فيعدونه من طبقتهم، وإنما يعاب بمثله من يخدم المصلحة العامة تعبدا لله تعالى، أو

من يبني خدمته على مقاومة تمييز بعض الناس على بعض بهذه الرتب التي تضعها

الحكومة يطلب إبطالها، ليتفاضل الناس بعلومهم وأعمالهم، لا بالألقاب اللفظية،

ولا حلي الأوسمة الفضية والذهبية.

أما أنا فأقول: إن كلا من المؤيد واللواء، ومثلهما الأهرام، قد أضر

المسلمين والعثمانيين عامة والمصريين خاصة بما جرين عليه من الإسراف في مدح

السلطان عبد الحميد والدفاع عنه، ولولا أن جمهور المسلمين كانوا يحملون ذم

المقطم لسياسته وإدارته وتنديده به على سوء النية ويظنون أن أخباره غير صادقة،

ولولا تلك الردود عليه لكان نفع ما نشره عظيما، ولقد كان يكون النفع أعظم لو

كان المؤيد واللواء ينشران مثل تلك الأخبار ويبنون عليها مطالبة السلطان بالإصلاح

مشايعة لطلابه من العثمانيين مع الاعتدال.

وقد كنت أقول لمن أذاكرهم في ذلك من عقلاء المصريين: إن المقطم ينشر

بعض ما يعلم، ويعلم بعض ما يقع، وإنه يجب عليكم أن تعتبروا بأخباره، مهما

كان ظنكم ورأيكم في نيته، وإلا كنتم طالبين التلذذ بمدح الدولة والسلطان، لا

لمعرفة الحقيقة التي يتبعها الصلاح والفساد، فتشايعون السلطان على ما يضر،

وتتكلون عليه في أمر الإسلام وأمر مصر، وكل ذلك من بناء المصلحة على وعث

من الرمل، بدلا من بنائها على الصخر، وهو أن تعرف الأمة حقيقة حال دولتها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٤١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٤١٧