مصلحة الأوقاف إلى نظارة جائز لأن الأمر في الآستانة كذلك. فقطعت فتوى
الخليفة كل كلام في شكل المشروع كما قطعت جهيزة قول كل خطيب، إلا أن
بعض الجرائد كالمؤيد بينت الفرق بين نظارات الآستانة ونظارات مصر، بأن تلك
مستقلة تحت سلطة الخليفة، وشيخ الإسلام هو العضو الأول في مجلس النظار،
وهذه تحت مراقبة دولة أجنبية، ولكن اللورد تلافى هذه الاعتراض قبل وقوعه بما
أعلن وأشيع من خبر اتفاقه مع الحكومة على أن لا يكون لنظارة الأوقاف الجديدة
مستشار إنكليزي، بل تكون مستقلة في أعمالها، ويكون لها مجلس أعلى من
المسلمين تقيد به تصرفات الناظر كالمجلس الأول في الجملة.
الحق أقول: إن هذا كان مؤثرا، وإن جواب الآستانة لم يفعل في القلوب
والأفواه فعله في الجرائد والأقلام، فالذين لم يقولوا فيه شيئا بأقلامهم، قد قالوا
بقلوبهم وأفواههم، ولكن أيقنوا بأنه لا بد من تنفيذ المشروع، فصار همهم في جعله
مسورا بما يكفل استقلال أوقافهم، وصرف أموالها في مصالحهم، وجعل القول
الفصل فيها لهم دون الأجانب، فكان جمهور الأمة يود تأخير صدور الأمر العالي به
إلى أن تنعقد الجمعية التشريعية في أوائل السنة الآتية، وما هي ببعيد، لتصدق
عليه وتقرره فتطمئن به قلوب الأمة، وقد كررت جريدة المؤيد القول في هذا الاقتراح
وكتب سعد باشا زغلول الشهير بمعارفه القانونية والاجتماعية وباستقلال الرأي
مقالا في المقطم نقلته سائر الجرائد اقترح فيه أن يكون رأي الجمعية التشريعية
قطعيا نافذا فيما يعرض عليها من ميزانية نظارة الأوقاف وما يوضع له من اللوائح
والنظام، وقد أيد اقتراحه بالبيان الذي صادف استحسان جمهور المسلمين، وإنما
قلت جمهور المسلمين؛ لأنه يوجد في المسلمين كما يوجد في غيرهم من الشعوب
من لا يبالي بالمصالح الدينية العامة، ومن لا يبالي بالمصالح الدنيوية العامة أيضا،
ومن لا يعرف له رأي لأنه إمعة يتابع كل أحد في مجلسه، وناهيك بمن يدهنون
لأصحاب السلطة والنفوذ في كل شيء.
ونشرت نبذة في جريدة المؤيد عزيت إلى عالم من كبار العلماء تتضمن اقتراحا
آخر ربما كان أصدق معبر عن رأي الجمهور في هذا الأمر؛ لأنني سمعت بعض
الأذكياء يتحدثون به قبل نشر المؤيد له، ويقولون: إن هذا هو الذي يوده جميع
المسلمين وهاك نص تلك النبذة:
الرأي الإسلامي العام في مسألة الأوقاف
لعالم من كبار علماء المسلمين
عرف القراء رأي المؤيد الخاص في هذه المسألة المهمة، وقد كان همنا في
هذه الأيام مصروفا إلى الوقوف على الرأي الإسلامي السائد في جميع الطبقات
المفكرة من المسلمين فيها، فعلمنا بعد كثرة السؤال واكتشاف الآراء أن جمهور
المسلمين لم تظهر لهم فائدة معقولة في هذا التغير والتحويل في إدارة هذه المصلحة
الإسلامية فكان هذا داعية الوسواس وسوء الظن، وسرى فيهم اعتقاد أن هذا التغيير
تمهيد لصرف أوقاف المسلمين في بعض الأمور العمومية التي يجب الإنفاق عليها
من خزينة الحكومة أو من جميع طوائف الأمة، فيشارك المسلمين غيرهم من
الطوائف في منفعة أوقافهم التي وقفها سلفهم لمصالحهم وشعائرهم الخاصة عبادة لله
تعالى وتقربا إليه. ونحن نبرئ الحكومة وكذا المحتلون من إرادة ذلك أو الرضاء به،
ونقترح على أولي الأمر مولانا الخديو ورجال حكومته أن يجعلوا في نص لائحة
الأوقاف الجديدة أو الأمر العالي الذي يصدر في هذه المسألة ما يزيل وسواس الأمة
وتطمئن به قلوبها، وهو أن لا يصرف شيء من أموال الأوقاف في غير الشعائر
الإسلامية والتعليم الإسلامي وسائر المصالح الخاصة بالمسلمين، حتى يعلم الخاص
والعام أن أوقاف المسلمين سالمة لهم كغيرهم من الطوائف التابعة للحكومة المحلية.
ثم صدر الأمر العالي بالمشروع وفي مقدمته إشارة إلى معنى هذه الاقتراح،
وفيه من الضمان ما يراه القراء وهذا نصه: