واكتب لنا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك) .
هذه صورة كتاب المأمون في المحنة، وقد ذيله بأشخاص كبار فقهاء بغداد
وأئمة الأثر والرواية، وتم الأمر بالمحنة التي طار شررها وطال ضررها، واشتهر
من بين رجالها (الإمام أحمد بن حنبل) رحمه الله ورضي الله عنه، ولها في التاريخ
ذيل طويل، وممن استوفى أطرافها التاج السبكي في طبقاته، فليرجع إليها لمستزيد.
ثم موضع الغرابة من كتاب المأمون، هو حمل الناس على غير ما يعتقدون،
وإكراههم على أمر لم تمض به سنة، ولم يجدوا فيه برهانا من أنفسهم، ومع أن
الإكراه على أصل الأصول، وما به العصمة والنجاة - وهو الدين الخالص - قد
أباه الشرع ونهى عنه في غير ما موضع من التنزيل الكريم، كآية {لا إكراه في
الدين} (البقرة: 256) ، وآية ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ (يونس: 99) وآية ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف: 29) ولكن سكرة الدولة، وانقلاب الرأي عقيدة بالتسليم والتقليد، وعظم
الطول والقدرة، كل ذلك يحول دون الإنصاف والاعتدال غالبا، وقد يظن أن ما
أذاقه المأمون من الاضطهاد لرجال محنته، كان باعثه ما أشار إليه في رسالته من
نبز من اضطهدهم لجماعته بالكفر والضلال، وإشاعتهم ذلك بين العامة، إذ قال في
رسالته المتقدمة إعذارا لمن يلم به الملام (ثم انتسبوا إلى السنة، وأنهم أهل الحق
والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر، فاستطالوا بذلك وأغروا به الجهال)
وجلي أنه لا يطيق الصبر على هذا فئة رأسهم في هذا المعتقد الخليفة فقضاته
ووزراؤه.
نعم قد يمكن أن يكون ذلك من بواعثه، وقد يكون انتقاما من اضطهاد سابق،
ومقابلته بالمثل في جزاء الاعتدال بنظيره، إذ كان للأثرية دولة في عهد الأمويين
وصدرا من الخلافة العباسية، وكانت أقوالهم في تكفير مخالفيهم من الجهمية،
ورميهم بالزندقة وهدر دمهم، تغري بهم، وتحفظ الأمراء عليهم، وتستفز ذوي
البطش منهم على الإيقاع بهم، كما يدري ذلك من سبر أقوالهم في الجهمية، ولم
يكن قتل الجعد بن درهم وغيلان الدمشقي، بل ومثل محمد بن سعيد الشامي
المصلوب [5] إلا من جراء مقالاتهم فيهم، والتاريخ أبو العجب.
وقد كان بدء المحنة بالقول بخلق القرآن سنة (218) إلى أن أفضت الخلافة
إلى المتوكل، فأمر سنة (234) بترك النظر والمباحثة والجدال وترك ما عليه
الناس في أيام المعتصم والواثق من القول بخلق القرآن، وأمر الناس بالتسليم
والتقليد، وأمر الشيوخ المحدثين بإظهار السنة والجماعة. ولكل زمان دولة ورجال.
قال نابغة البلغاء أبو بكر الخوارزمي في إحدى رسائله: ليس من فرق الإسلام
فرقة، إلا وقد هبت لأهلها رويحة، ودلت لها دولة، كما اتفق المختار بن عبيد الله
للكيسانية، ويزيد بن الوليد للغيلانية، وإبراهيم بن عبيد الله للزيدية، والمأمون
لسائر الشيعة، والمعتصم والواثق للمعتزلة، والمتوكل للنواصب والحشوية اه.
* * *
(6)
أول من صنف من المعتزلة في محاجة الأثرية
قال السفاريني في شرح عقيدته: معظم خلافيات علم الكلام مع الفرق
الإسلامية خصوصا المعتزلة؛ لأنهم أول فرقة أسسوا قواعد الخلاف، لما ورد به
ظاهر السنة، وجرى عليه جماعة الصحابة رضي الله عنهم. فأول من صنف في
علم الكلام والجدال والخصام مع أهل السنة والجماعة أبو حذيفة واصل بن عطاء،
وهو رئيس المعتزلة وأول من سمي معتزليا، وله من التصانيف كتاب المنزلة بين
المنزلتين وكتاب الخطب في العدل والتوحيد، وكتاب السبيل إلى معرفة الحق،
وكتاب معاني القرآن، وكتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد، وكتاب التوبة،
وله غير ذلك، وكانت ولادته سنة (80) وتوفي سنة (131) .
قال ابن خلكان: كان واصل أحد الأئمة البلغاء المتكلمين وكان في أيام
عبد الملك وهشام بن عبد الملك، - كما حكاه الشهرستاني.