ومثله في السبق إلى التصنيف في ذلك عمرو بن عبيد - من كبار أئمة
المعتزلة له كلام كثير في العدل والتوحيد على اعتقاد المعتزلة توفي سنة (143)
قال الذهبي في الميزان: كان المنصور - الخليفة الشهير - يخضع لزهد عمرو
وعبادته ويقول:
كلكم يطلب صيد ... غير عمرو بن عبيد
* * *
(7)
تلقيب المعتزلة بالقدرية وسبب التسمية بذلك
قال الشهرستاني: المعتزلة يسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية
وذلك لإسنادهم أفعال العباد لقدرهم وإنكارهم القدر فيها موافقة لرأي معبد الجهيني،
وغيلان الدمشقي القدريين.
وقال أبو منصور البغدادي في كتاب (الفرق) في تعداد المسائل التي اتفق
عليها القدرية والمعتزلة: ومنها قولهم جميعا بأن الله تعالى غير خالق لأكساب الناس،
وأن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم، أنه ليس لله تعالى في أكسابهم صنع ولا
تقدير، ولأجل هذا سماهم أهل السنة قدرية. اه.
وقال ابن الأثير: سموا قدرية لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها
واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه. وقد قالوا
لمخالفيهم أنتم الأولى بتسمية القدرية؛ لأنكم تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله،
ومثبت الشيء أحق بالنسبة إليه من نافيه، فأجابهم المثبتون بأن مثبت الشيء لنفسه
أولى بالنسبة إليه ممن نفاه عن نفسه. اه.
وقال الإمام ابن تيمية: في آخر عصر الصحابة حدثت القدرية، وأصل
بدعتهم كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله، والإيمان بأمره ونهيه ووعده
ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع، وكانوا قد آمنوا بدين الله وأمره ونهيه، ووعده
ووعيده، وظنوا أنه إذا كان ذلك كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن
يعصي؛ لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون، لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن
المأمور يعصيه ولا يطيعه، وظنوا أيضا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن
يخلق من يعلم أنه يفسد، فلما بلغ قولهم بإنكار القدر السابق للصحابة أنكروا إنكارا
عظيما وتبرءوا منهم، حتى قال عبد الله بن عمر: أخبر أولئك أني بريء منهم وأنهم
مني براء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما
قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. وذكر عن أبيه حديث جبريل، وهذا أول حديث في
صحيح مسلم، وقد أخرجه البخاري ومسلم من طريق أبي هريرة أيضا مختصرا.
ثم كثر الخوض في القدر، وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام وبعضه
في المدينة، فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق، وبالكتاب المتقدم،
وصار نزاع الناس في الإرادة وخلق أفعال العباد، فصاروا في ذلك حزبين، النفاة
يقولون: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئا
من أفعال العباد، وقابلهم الخائضون في القدر من المجبرة مثل جهم بن صفوان
وأمثاله، فقالوا: ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة والأمر والنهي لا يستلزم إرادة،
وقالوا: العبد لا فعل له ألبتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط، وكان جهم
مع ذلك ينفي الأسماء والصفات. اه.
(لها بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) تابع لما نشر في ج 10 م 16 ص 745.
(1) عن كتاب حضارة الإسلام.
(2) بضم الدال وفتح الهمزة الممدودة بعده، على وزن فؤاد.
(3) عن تاريخ ابن خلكان.
(4) التفريع بالكلية إنما يصح في مادة جعل بمعنى خلق كآية: (وجعل لكم السمع والأبصار) (النحل: 78) ، (وجعل الظلمات والنور) (الأنعام: 1) لا في جعل بمعنى صير، ففرق بين المعنيين الخلق والتصيير، فكما ورد في التنزيل جعل بمعنى خلق، فقد ورد بمعنى صير ومنه آية (إنا جعلناه قرآنا عربيا) (الزخرف: 3) أي صيره قرآنا عربيا وأنزله بلغة العرب ولسانها ولم يصيره أعجميا فينزله بلغة العجم ومنه آيات (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض) (ص: 26) (وجاعلوه من