تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اتصاله به أنه قال: كنت أحضر مجلس القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء، فإني

عنده يوما إذ جاءه رسول المأمون، فقال له: يقول لك أمير المؤمنين انتقل إلينا

وجميع من معك من أصحابك، فلم يحب أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني،

فحضرت مع القوم، وتكلمنا بحضرة المأمون، فأقبل المأمون ينظر إلي إذ شرعت

في الكلام، ويتفهم ما أقول ويستحسنه، ثم قال لي: من تكون؟ فانتسبت له،

فقال: ما أخرك عنا؟ فكرهت أن أحيل على يحيى فقلت: حبسة القدر وبلوغ

الكتاب أجله، فقال لا أعلمن ما كان لنا من مجلس إلا حضرته فقلت: نعم يا أمير

المؤمنين.

وقيل قدم يحيى بن أكثم قاضيا على البصرة من خراسان من قبل المأمون آخر

سنة (202) وهو حدث سنه نيف وعشرون سنة، فاستصحب جماعة من أهل

العلم والمروءات، منهم ابن أبي دؤاد، فلما قدم المأمون بغداد في سنة (204) قال

ليحيى: اختر لي من أصحابك جماعة يجالسوني ويكثرون الدخول إلي، فاختار

منهم عشرين فيهم ابن أبي دؤاد. ثم قال: اختر منهم، فاختار خمسة فيهم ابن أبي

دؤاد، واتصل أمره، وأسند المأمون وصيته عند الموت إلى أخيه (المعتصم)

وقال فيها: (وأبو عبد الله ابن أبي دؤاد لا يفارقك، أشركه في المشورة في كل

أمرك، فإنه موضع ذلك) .

ولما ولي (المعتصم) الخلافة، جعل أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة،

وعزل يحيى بن أكثم وخص به أحمد، حتى كان لا يفعل فعلا باطنا ولا ظاهرا إلا

برأيه.

وكان أبو العيناء يقول [3] : ما رأيت رئيسا قط أفصح ولا أنطق من ابن أبي

دؤاد، وكان أخذ عن واصل بن عطاء مسائل الكلام حتى تضلع من الكلام،

وأصبح داعية إليه، فلما اتصل بالمأمون دس له القول بخلق القرآن، وحسنه عنده،

وصيره يعتقده حقا مبينا إلى أن أجمع رأي المأمون في سنة (218) على الدعاء

إليه، فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن

الحسين في امتحان العلماء كتابا يقول فيه:

(وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر من حشو

الرعية، وسفلة العامة، ممن لا نظر له ولا روية، ولا استضاء بنور العلم

وبرهانه، أهل جهالة بالله، وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور أن

يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، وبين ما

أنزل من القرآن، فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه، وقد قال تعالى

﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ (الزخرف: 3) فكل ما جعله فقد خلقه [4]

كما قال ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (الأنعام: 1) وقال {كذلك نقص عليك من

أنباء ما قد سبق} (طه: 99) فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها، وقال:

﴿أحكمت آياته ثم فصلت﴾ (هود: 1) ، والله محكم آياته ومفصله، فهو خالقه

ومبتدعه، ثم انتسبوا إلى السنة، وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل

الباطل والكفر، فاستطالوا بذلك وأغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت

الكاذب، والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا من

دون الله وليجة إلى ضلالهم) إلى أن قال: (فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر

الأمة المنقوصون من التوحيد حظا، أوعية الجهالة، وأعلام الكذب، ولسان إبليس

الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله. وأحق أن يتهم في

صدقه، وتطرح شهادته، ولا يوثق به من عمي عن رشده وحظه من الإيمان

بالتوحيد، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا، ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب

الناس من كذب على الله ووحيه، وتخرص الباطل، ولم يعرف الله حق معرفته،

فاجمع من بحضرتك من القضاة، فاقرأ عليهم كتابنا، وامتحنهم فيما يقولون،

واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وأحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عمل،

ولا واثق بمن لا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم

من الشهود، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٦٢