تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحرمين الشريفين وسياجهما المحيط بهما، ثم لمساعدة الدولة العثمانية على حفظ

بقية بلادها وأملاكها، وإنما نبه أهل الغيرة على الإسلام والدولة إلى كتابة مثل هذه

الخطب والرسائل ما أصاب الإسلام، والدولة من الفواجع في طرابلس الغرب

والبلقان. بعد نكبة المغرب الأقصى وإيران، وقد كانت جماهير المسلمين

والعثمانيين وادعين ساكنين، غارين مغرورين، ظنا منهم أن قوة الدولة الحربية

كافية لحفظ الحرمين مع سائر ولاياته الآسيوية والأفريقية والأوربية، وكان أهل

الرأي والاطلاع على الحقائق قلما يتجرأ أحد منهم على بيان الخطر المحيط بالدولة

كغيرها من ممالك الشرق، ومن تجرأ على ذلك رد قوله واتهم، ولا سيما من كان

من العرب، كما بينا ذلك مرارا، كأنه كان يجب على العرب أن يرضوا دائما

بالجهل والفقر والبداوة؛ لئلا يقال: إنهم يطلبون العلم والثروة والحضارة؛ لأجل

الملك والخلافة، وهما إرث آل عثمان، الدائم إلى آخر الزمان، ونهاية الدوران،

وكذلك كان يقول المفسدون بالسعاية لعبد الحميد خان، ومنهم من لا يزال يكرر هذه

السعاية في الآستانة إلى الآن.

ولكن الليل عسعس، والصبح تنفس، والحق حصحص، والأمر تمحص

وعرف الذكي والبليد، والقوي والرشيد، أن كلا من الترك والعرب، على خطر قد

اقترب، وأنه لا نجاة للفريقين إلا بإزالة التنازع من البين، واجتهاد كل منهما

بتقوية نفسه؛ ليمكنه أن يحمي حقيقته وحقيقة الآخر، بأن يكون كل منهما عاملا

لنفسه ولأخيه، ولذلك قام أذكياء الترك أولا يحثون على نهضة تركيا وتلاهم بعض

أذكياء العرب في الدعوة إلى نهضة عربية، وقد اتفق الفريقان أخيرا على القول

بأنه لا تعارض بين النهضتين، وأنه يجب أن يكونا متعاونين، ولعنة الله على من

ينكث ما فتلا من العهد، وما سعيا إليه من أحكام رابطة الود، وعلى كل خادع

منافق.

أما نهضة الإسلام من حيث هو دين، فلا ترجى إلا من العرب ومتقني

العربية من سائر المسلمين، وقد صرحت الأحاديث النبوية، بأن الإسلام سيأرز

إلى الحجاز، ويعتصم بالبلاد العربية، كما بينا ذلك من قبل، وشايعنا عليه صاحب

الرسالة اليوم، روى مسلم عن أبي هريرة والنسائي عن ابن مسعود وابن ماجه

عنهما وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بدأ [5] الإسلام غريبا

وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) ورواه مسلم عن ابن عمر بلفظ (إن الإسلام

بدأ غريبا وسيعود كما بدأ ويأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها) ورواه

الترمذي عن عمرو بن عوف المزني بلفظ (إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز

الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن

الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي

من سنتي) والطبراني وأبو نصر في الإبانة عن عبد الرحمن بن سنة بلفظ (إن

الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء) قيل: يا رسول الله وما الغرباء؟

قال: (الذين يصلحون عند فساد الناس) وفي رواية بدون ذكر السؤال وبزيادة

(والذي نفسي بيده لينحازن الإيمان إلى المدينة كما يحوز السيل، والذي نفسي بيده

ليأرزن الإسلام ما بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها) وأحمد عن سعد بن

أبي وقاص بلفظ قريب من هذا اللفظ.

والأروية في حديث الترمذي بضم الهمزة وكسر الواو وتشديد الياء أنثى

الوعول أي تيوس الجبل، وهي تعتصم في أعلى الجبال؛ ولذلك يقال للوعل

الأعصم، وأرز كعلم وضرب ونصر تجمع وعاد وثبت. والمعنى أن الدين سيعتقل

ويعتصم في الحجاز ويتجمع فيه عندما يكون غريبا، فيعود إلى الحجاز كما بدأ منه،

ويكون عزيزا قويا كالأروية في شناخيب الجبال، ثم يمتد وينتشر منه ثانية فيتم

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كونه عاد كما بدأ.

إن دعاة النصرانية يطاردون الإسلام في كل مكان، ووراءهم أممهم تمدهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٣٥