بالملايين من الدنانير، ودولهم تحميهم وتنصرهم بنفوذها الذي لا يعارض، وقد
أردنا أن ننشئ مدرسة لتخريج الدعاة إلى الإسلام في عاصمة السلطنة العثمانية فلم
تتجرأ حكومتها على الإذن لنا بالتصريح بذلك، ثم لم ترض بإنشاء المدرسة ولو
باسم آخر، على أن لدعاة النصرانية عدة مدارس في تلك العاصمة، منها مدرسة
عظيمة للبلغار، فقد ظهرت مقدمات أروز هذا الدين إلى الحجاز واعتصامه فيه
ليعود منه كما بدأ، ومن البديهي أن ذلك إنما يكون بإحياء هدي الكتاب والسنة كما
هو صريح في الحديث، ولا يكون ذلك إلا بحياة اللغة العربية ونهضة الأمة العربية
في الحجاز وسائر جزيرة العرب، نعم إن البدع في الحجاز الآن كثيرة كغيره من
بلاد المسلمين، وليس فيه حرية لمن يريد مقاومتها ولكن هذا سيزول، وتتم بشارة
الرسول صلى الله عليه وسلم وسينهض المسلمون في كل قطر لمساعدة عرب
الحجاز وسائر الجزيرة على إحياء الإسلام في مهده الأول، وقد ظهرت بوادر ذلك
بتأسيس جمعية خدام الكعبة في الهند، ويرجى أن يعم ذلك جميع البلاد الإسلامية إذا
نقح قانون الجمعية على الوجه الذي أشرنا إليه، والشرط الأساسي للنجاح أن لا
يكون لهذه الجمعية صيغة سياسية لا ظاهرة ولا باطنة، ومنه أن لا يكون لها علاقة
بحكومة الحجاز ولا بالدولة التي تحمي الحجاز.
وما ظهرت بوادر ميل المسلمين إلى مساعدة العرب والعربية على إحياء
الإسلام في مهده إلا بعد أن ظهرت بوادر نهضة الأمة العربية، وتوجهها إلى
الإصلاح الديني والاجتماعي والمدني، وهي جديرة بذلك بدليل اتفاقها في سورية
والعراق والجزيرة على بناء هذا الإصلاح على أساس اللامركزية الإدارية؛ إذ بذلك
تحفظ حقوق الدولة العثمانية ويتمكن الارتباط بها، وبه يعطى كل قطر حقه بحسب
استعداده ومذاهب أهله، فلا يكلف إمام الزيدية في اليمن وأمراء عسير ونجد
والحجاز أن يجعلوا إدارة بلادهم كإدارة ولاية بيروت مثلا، فضلا عن إدارة
الآستانة وأدرنة، وكانت العرب ترى أن لها خصما واحدا في هذا العصر، وهو
جمعية الاتحاد والترقي التي رأوا منها ما رأوا من مقاومة لغتهم وسفك دمائهم في
اليمن وعسير والكرك وحوران، والضغط على طلاب الإصلاح ببيروت، ولكن
الجمعية أظهرت أخيرا الرجوع عن تلك السياسة والجنوح إلى الاتفاق مع العرب
فعسى أن تكون صادقة مخلصة هذه المرة وينفذ ذلك قريبا.
برح الخفاء وظهر أن الأمة العربية تريد أن تحيا حياة مدنية اجتماعية سامية،
ومتى أرادت الأمة فعلت، وقد ظهرت إرادتها في الطبقة المستنيرة منها، وألفت
لذلك الأحزاب والجمعيات، وعقدت في أشهر عواصم أوربة المدنية أول مؤتمر
عربي للبحث في حقوقها وما تطلبه من دولتها، وكذلك ظهرت بوادر الإصلاح في
كل الأمم، فإن عارضه أفراد ممن يسمون الوجهاء والسروات، وتبع هؤلاء الأفراد
بعض أوشاب من الأوباش، فليس هذا ببدع في سنن الاجتماع، بل هو مطرد في
كل الأمم، وستقضي سنة الانتخاب الطبيعي على هؤلاء المعارضين كما قضت
على أمثالهم في الأمم الأخرى.
الأمة العربية تريد أن تحيا وقد بدأت تعمل عمل الأحياء، وإن لها دينا على
جميع المسلمين؛ لأنها كانت أستاذهم الأول في الدين، ودينا على جميع أمم المدنية؛
لأنها كانت الأستاذ لهم في جميع العلوم والفنون العقلية والكونية، فالواجب على
الفريقين أن يساعدوها، ويجب على الدولة العثمانية من ذلك ما لا يجب على غيرها،
وهو أن تعترف باستقلال جميع أمراء الجزيرة في اليمن وعسير ونجد، وتسمح
لسائر الولايات بالإدارة اللامركزية المطلوبة، فإن لم تفعل تكن فتنة في الأرض
وفساد كبير، ولله الأمر من قبل ومن بعد ينصر من يشاء وهو القوي العزيز.
-----------------
<span class="footnote">
(1) رواه أبو يعلى في مسنده عن جابر بن عبد الله - الجامع الصغير ج 1 ص 25.
(2) المنار ص 337 من المجلد 15.