يا خير قوم، وانهضوا من مضاجعكم فقد طال النوم، وإن النوم في هذا الزمان
سبات، فمن نام مات ومن مات فات.
يا أيتها الأمة العربية، يا زينة الأمم والشعوب، وممهدة المسالك والدروب،
وفاتحة البلدان، وملبسة التيجان، يا خواضة البحار، وجوابة الأقطار ومجرية
الأنهار، وممدنة الأقوام والأمصار، ومؤمنة السبل والديار، ومصلحة العقول
والأفكار، يا حامية العرض والجار، ومبعدة الذل والصغار، ومزيلة الوصم والعار.
قومي يا آخر أمة اختارها الله لإصلاح العالم الإنساني على سائر الأمم،
وندبها سبحانه وتعالى لإخراج البشر من هاتيك التعاسة التي عششت وفرخت،
والظلمات التي امتدت واكفهرت، والفتن التي عمت وطمت، والمفاسد التي
تزاحمت وتراكمت، فقمت بما فوض إليك خير قيام من إصلاح الرعايا والرعاة
وإرضاء الخالق والمخلوقات، وكما قمت من قبل فقومي اليوم، واتركي هذا النوم،
فإن النوم في هذا الزمان سبات، فمن نام مات ومن مات فات.
أيها العرب لقد أكرمكم الله بلغة هي أقدم وأوسع وأغنى لغات العالم، وشرفكم
بشريعة هي أكمل وأتم وأهدى الشرائع التي أنزلت للأمم، وأوجدكم في إقليم جعله
من جسم الكرة الأرضية في محل القلب من ابن آدم، وأودع فيه بيته العتيق،
وندب إليه الناس من كل فج عميق، وأوجد منكم وفيكم رسوله المصلح الأعظم،
ونبيه الخاتم الأكرم، وزينكم بمحاسن لا يحصيها القلم والبنان، وخصكم بخصائص
تجل عن أن يحيط بكنهها بيان.
فقوموا يا خير أمة أخرجت للناس واشحذوا أنصل قرائحكم واقدحوا أزند
أفكاركم، وأجيلوا جياد عقولكم، في وضع الخطط القويمة وتنظيم التدابير الحكيمة،
وترتيب الأعمال العظيمة، للأخذ بناصر الشعوب الإسلامية المظلومة، وتطهير
الأرض من مظالم ومفاسد وشرور بقية الأمم المظلومة، فإن المعول عليكم بعد الله
اليوم، فجافوا جنوبكم عن مضاجع النوم، فإن النوم في هذا الزمان سبات، فمن نام
مات ومن مات فات.
قوموا يا مركز الدائرة الإسلامية فتساندوا وتعاضدوا، وتحالفوا وتعاهدوا،
وتفاوضوا وتشاوروا، وتظافروا وتناصروا، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر،
وتهيئوا للعمل الأكبر، اجمعوا كلمتكم، ولموا شتيتكم، ورتبوا جموعكم وعبوا
جيوشكم ورصوا صفوفكم، وانشروا راياتكم وهيئوا معداتكم وحصنوا ثغوركم
وأحكموا أموركم وخذوا حذركم وأسلحتكم، وكونوا في المحافظة على الجامعة
الإسلامة أخيط من ذرة، وفي مدافعة هذه المصائب النازلة على الأمة أضبط من
عائشة بن غثم وقت أخذ بذنب البكرة، واتركوا أيها المصطفون الأخيار هذا النوم،
فإن النوم في هذا الزمان سبات، فمن نام مات ومن مات فات.
أيها العرب الأجواد، قوموا على بركة الله فتناسوا الضغائن والأحقاد،
وتباعدوا عن المشاحنات والمنازعات، وتجاهلوا المساءات القديمات، وجددوا
الروابط والصلات، وانفروا خفافا وثقالا شبانا وشيوخا وكهولا، إناثا وذكورا،
بدوا وحضرا، لتتميم ما بدأتم به وتشييد ما وضعتم أساسه، قوموا - أقال الله
عثرتكم، وأيقظكم من نومتكم - فاجعلوا العزم إمامكم، والحزم أمامكم، والصبر
جنتكم، والثبات عدتكم وحماية الدين والأمة أعلى مرامكم، وصيانة حقوق البشر
نهاية مساعيكم، وإصلاح العالم الغرض المقصود من قيامكم، وإعلاء كلمة الله أول
وآخر أعمالكم، فأنتم لا غيركم يا أشرف قوم، الوسيلة العظمى في هذا اليوم،
فالسلام على الدنيا وما فيها إن لم تتركوا النوم، فإن النوم في هذا الزمان سبات،
فمن نام مات ومن مات فات.
... ... ... ... ... ... ... عبد الحق الأعظمي البغدادي
(المنار)
قد طبعت هذه الرسالة على نفقة الشاب النجيب عبد الرحمن الذكير، التلميذ
بمدرسة العلوم في عليكره نجل صديقنا البار الحاج مقبل الذكير التاجر الشهير في
البحرين، وقد نشرت رسالة خطابية أخرى طبعت في العام الماضي تحث أمراء
جزيرة العرب وسادتها ورؤساء عشائرها على الاتحاد والاتفاق والاستعداد لحفظ