ورأس كل فضيلة {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله
عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} (آل عمران:
103) ، وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ (الحجرات:
10) إلى غير ذلك.
فينبغي للمؤمنين أن ينظروا بعين الإنصاف ويهتدوا بهدي كتابهم حتى تتحسن
أحوالهم، وتنتظم معاملتهم، وهيهات هيهات أن يفوزوا إلا إذا امتثلوا أمر ربهم،
أمرهم ربهم بأن يعطي غنيهم فقيرهم، وينصر قويهم ضعيفهم، ويعلم علماؤهم
جهلاءهم، ويسعى كل منهم في الإصلاح حسب ما استطاع، ولن يضيع أجر من
أحسن عملا.
وبالجملة فإني أرى أن أعظم أسباب التقهقر والخذلان التي أضرت بالمسلمين
في سائر البقاع إنما هو الغفلة عن هذه السنة الإلهية والإعراض عنها، فلا يرى
الباحث عن أخلاق المسلمين المتفقد لأحوالهم في الغالب إلا أبا لا يرحم، وابنا لا
يتأدب، ويرى عداوة كبرى منتشرة بينهم وخصوصا الأقارب والعشائر. فاللهم
عطفك وحنانك ونصرك وتأييدك، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، {ربنا آتنا
من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا} (الكهف: 10)
* * *
(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) [6]
إن الله سبحانه وصف عباده المؤمنين بالإيثار على أنفسهم، ولو كان بهم
خصاصة بقوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (الحشر:
9) وأمرهم بالتعاون والتضافر على مصالحهم ليسهل عليهم القيام بها المرء كثير
بأخيه فشأن المؤمن حقا أن يكون لأخيه كالعضو لباقي الجسد يألم لألمه ويتعب بتعبه
ويرتاح لراحته، يسعى كل عضو ويشتغل لمصلحة جميع الأعضاء، لا ينثني عن
العمل ولا يمل منه إلا إذا أصابه مرض شديد يمنعه عن القيام بوظيفته، وهكذا شبه
رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين، وهكذا كانوا رضوان الله عليهم أجمعين،
هم الذين بتعاونهم وشد أزر بعضهم بعضا أمكنهم أن يبثوا دين الله (الإسلام) في
مشارق الأرض ومغاربها، وأن يفتتحوا البلاد ويخضعوا الملوك، ولولا التضافر
على المصالح والقيام بدين الله الحنيف لما أمكنهم الوصول إلى ما وصلوا إليه،
وهذه سنة الله تعالى الكونية في الاستعلاء والاستيلاء وتنفيذ الأحكام دينية كانت أو
غير دينية، والمرء لا يمكنه القيام بمصالح نفسه بنفسه من دون معين فضلا عن
القيام بمصالح أمته، فالتعاون شيء ضروري لا بد منه في أكثر حالات الإنسان.
نرى المرء إذا مد يده إلى الماء وفرق أصابعه لا يمكنه أن يأخذ من الماء شيئا ولكن
إذا هو ضم أصابعه وصيرها كأنها قطعة واحدة من غير تفرق بين الأصابع أمكنه
أن يأخذ مقدار ما تسع.
وترى الأسرة أو الأمة إذا وقع بين أهليها الشقاق والبغضاء لا تلبث أن تتفرق
رجالها، وإذا تفرقوا آل أمرهم إلى انحلال قواهم بتشتتها وتفرقها، وهناك الخسارة
الكبرى حيث يمسون لا أمة ولا أسرة ولا ذوي شأن في العالم.
ثم لا يحسب المرء أنه إذا أعان أخاه كان النفع لأخيه فقط، وإنما الفائدة
مشتركة بينه وبين أخيه وغيرهما، وإذا كان كل إنسان يرى أنه قادر على إعانة
آخر، وأعانه بما يستطيع تكون أكثر أفراد تلك الأمة مكتفين لا حاجة تلجئهم إلى
النهب والسلب ولا إلى التعدي على حقوق الغير مطلقا، ويا سعادة رجال يكونون
من هذه الأمة.
-----------------
<span class="footnote">
(1) هذا ما كتبه محمد علي أبو زيد المصري البحراوي.
(2) هذا ما كتبه عبد العزيز أبو أحمد المصري.
(3) هذا ما كتبه محمد سعيد التركي القسطموني.
(4) هذا ما كتبه أمين خليل التتاري.
(5) هذا ما كتبه محمد مصطفى الشريف المصري.
(6) هذا ما كتبه السيد عبد الرحمن عاصم السوري القلموني.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
صورة وثيقة شرعية
بفسخ حاكم حنبلي لنكاح غائب معسر [1]
وتنفيذ الحاكم الحنفي لحكمه