وكذلك الخطاب للأنبياء والأمم الماضية صدر بلفظ الرب أنه مربي العالمين
ومربي كل شيء. ويقول تعالى: ﴿وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون﴾ (القصص: 69) ، و ﴿رب العالمين﴾ (الفاتحة: 2) ، أو غير ذلك، وأمر
بالدعاء إليه بلفظ الرب. ولم يقل ولم يأمر ومعلمك ومعلم العالمين. فإذا إن التربية
أهم وأشد تأثيرا في الإصلاح.
* * *
أي الأمرين أهم وأشد تأثيرا في إصلاح الأفراد والأمم
التربية أم التعليم؟ [4]
لكل من التعليم والتربية تأثير في إصلاح الأفراد والأمم فهما لازمان لمن يريد
إصلاح نفسه أو أمته. وتأثير التعليم هو أن يحرك الأفكار ويجعل الإنسان يحب
البحث دائما عن كل ما يجهله في أمور الدين والدنيا، والتفكر والبحث سبب
وصول الحقائق، وهما أم الاختراعات والاكتشافات؛ ولذلك نرى الأمم التي انتشر
بين أفرادها التعليم تقدموا في الارتقاء وغيرها بعكس ذلك. ولكن تأثير التعليم ليس
بشيء بالنسبة لتأثير التربية العملية وهي تربية العقل والروح والجسم , فإن كل فرد
أو أمة توجد فيها هذه التربية يكون بالطبع جامعا بين العلم والعمل. والأعمال هي
أساس الإصلاح. وكذلك هذه التربية تجعل نفوس الأفراد والأمم عزيزة أبية لا تقبل
الخضوع لغيرها أبدا، ولا ترضى بالذل والهوان بأي حال من الأحوال، وبالتربية
تصلح الأخلاق أكثر مما تصلح بالتعليم، فإننا نرى كثيرا من المتعلمين فاسدي
الأخلاق لعدم التربية فيهم، ونراهم أيضا يكذبون ويسرقون ويخونون ويغشون ولا
يفون بعهد إذا عاهدوك. وأما المتربون تربية صحيحة فهم يبتعدون من الأخلاق
الذميمة، ويحبون العمل أكثر من القول.
ولا شك أن أمة انتشرت بينها التربية تسود على غيرها، ولذلك ترى اليوم
الأمم المتربية سادت علينا معشر المسلمين من كل وجه. ومما يدل على أن التربية
أشد تأثيرا في إصلاح الفرد والأمم من التعليم ما وقع في صدر الإسلام للمسلمين من
الإصلاح العظيم في الأمة وفي أفرادها ولا شك أن سبب هذا الإصلاح هو تربية
نفوسهم وتهذيبها من الأخلاق الفاسدة والعقائد الباطلة، وما كان التعليم عندهم معهودا
قط، ومع ذلك سادوا على الأمم المتمدنة المتعلمة بشدة تأثير التربية، فعلمنا من هذا
أن التربية من أهم ما يؤثر في الإصلاح، وأما إذا كان معها التعليم فبالضرورة
يكون أكمل وأتم في التأثير، فحينئذ يجب علينا معشر المسلمين أن نصلح أحوالنا
بالتربية الصحيحة والتعليم العملي كما يوجبه علينا ديننا الشريف حتى نكون خير
أمة أخرجت للناس والله الهادي إلى الصواب.
* * *
(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا [5] )
هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد منه أن المؤمنين في
تناصرهم وتعاضدهم ومساعدة بعضهم لبعض في جميع ما يحتاج إليه كل فرد منهم
من الأمور الدينية والدنيوية كالبنيان في شدة تماسكه وقيام أجزائه بعضها ببعض،
فكل طبقة من طبقات البناء لا تقوم إلا بالمجاورة لها الملتصقة بها كما هو معلوم
بالمشاهدة، فكذلك المؤمنون حقا، تراهم يسارعون إلى مساعدة بعضهم بعضا
بداعي الشفقة والرحمة الناشئين عن كمال الإيمان والعلم بسنن الله تعالى في خلقه
وحكمته البالغة، فقد اقتضت حكمته - جل شأنه - أن يجعل حاجات الإنسان
متنوعة وأفكاره متباينة ومقاصده متعددة، وجعله عاجزا عن القيام بجميع حاجياته
بل يحتاج إلى أبناء جنسه في قضاء مصالحه وسد عوزه، فكل فرد يرجع إلى
الآخر فيما يعجز عنه ويقدر الآخر عليه، تلك سنة الله، {ولن تجد لسنة الله
تبديلا} (الأحزاب: 62) ، فالمؤمن الكامل يجعل هذه السنة نصب عينيه فلا
تمنعه المحبة الشخصية والمنفعة الذاتية عن أن يكون لإخوانه عونا، وعلى سنة
ربه جاريا، بل يكون كالقطر أينما وقع نفع، وقد أرشدنا الله إلى ذلك في القرآن
الكريم في عدة مواضع فقال تعالى في الحث على الاتحاد الذي هو أساس كل خير