تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حقوق، ولا يراعى لها عهد ولا يحفظ ميثاق، آخذة في التقهقر والخذلان تخاف من

كل ناعق، وترهب من كل ناعب، ويجد هذا الفرد قد أدهش العالم بمخترعاته،

وحرك الأمم بيراعه، بينما يكون الآخر عالة على غيره يحتاج من يطعمه ويسقيه.

ولقد يقف الناظر أمام هذه الحال متفكرا يسائل نفسه هل هذا الفرق نتيجة

التربية أم نتيجة التعليم؟ نقول له: أيها الناظر لا تذهب بفكرك بعيدا إن التربية

هي أساس كل مجد، وأصل المفاخر والارتقاء، فمن رأيته سائدا من الأمم والأفراد

فاجزم بأن سموه ثمرة تربية صحيحة.

ومن رأيته في أسوأ حال فاحكم بأن تربيته قد أهملت فلا يأتي بخير، وإن

تعلم علوم الأولين والآخرين؛ ذلك أن التربية تشمل تربية العقل والنفس والجسم،

وإذا ربى الإنسان عقله على الاستقلال مع صحة المبادئ كان كنز المعارف وأب

التفننات النافعة التي يسود بها صاحبه من عداه، زد على ذلك أن يدرك الحق على

أنه حق، ويدفع الباطل لبطلانه ويميز بين الحسن والقبيح من كل شيء تمييزا

صحيحا، ويستنتج من الوقائع أمورا قد يعجز غيره عن فهمها بعد الحصول. وإذا

ربى نفسه على احتمال المشاق في ابتناء المعالي سهل عليه الجولان في الأرض

والسماء، وتاقت نفسه إلى اكتناه دقائقهما، والوقوف على أسرارهما، ولقد يتوقع

الهلكة مرارا، وهو جاد في طريقه فلا تنثني عزيمته، ولا تهي قوته، حتى

يحصل على مطلوبه أو يموت راضيا مطمئنا غير سائم من هذا السبيل، وإذا ربى

جسمه بما يحفظ صحته ويزيد في قوته، كان قويا على القيام بما يهيئه له عقله،

وتشرئب إليه نفسه، فلا يفوته خير ولا تبعد عنه مكرمة، ويكسب الفخار غدوا

ورواحا.

أما التعليم فقد يكون مع عقل سقيم، ونفس حقيرة وجسم ضئيل، فلا ينفع

فردا ولا أمة، بل قد يكون هو السبب في استئصال الأفراد وهلاك الأمم؛ لأن

التعليم هو معرفة مسائل العلوم والفنون باعتبار نتيجته، وهذه المعرفة يعبر عنها

العالم، وهو كالريح تمر بالطيب فتطيب وبالخبيث فتخبث.

وبالجملة فإن من سره أن يكون سعيدا في الدارين، وشريفا في المقامين،

فعليه بالتربية النافعة التي تكسب العقل صحة واستقامة، والنفس شجاعة وإقداما،

والجسم قوة وإنماء، ولا يلوي على التعليم إلا بعد الحظ الكبير من التربية، وربما

بحسن التربية يعرف طريقا للتعليم أجدى من كل الطرق الموجودة في زمانه، والله

الموفق.

* * *

أي الأمرين أهم وأشد تأثيرا في إصلاح الفرد والأمم

التربية أم التعليم؟ [3]

التربية مصدر من تربى وأصله ربا يربو معناه النماء والزيادة، وهذا النماء

إما حسي وإما غير حسي. فتربية الجسم تحصل بحفظه من الأمراض والانحلال

وبوقايته من الضعف.

فمن اهتم بحفظ الصحة وراعى قانون الموازنة في أكله وشربه يسلم من

الأمراض ويكون صحيح الجسم قوي البنية. فبذلك يصفو دماغه ويكثر نشاطه إلى

كل عمل.

والتربية المتعلقة بالروح والنفس تحصل باحتراز الإنسان من الأفعال الدنيئة

والأعمال القبيحة حتى يكون ميل النفس إلى الأعمال الصالحة وميل الروح إلى

مرجعها الأصلي.

فبذلك تقوى همة الأفراد والأمم وتعظم همتها؟ ويصلح شأنها. وإذا نمت

عقول الأمم وتزكت نفوسها يكون الإصلاح والإرشاد ديدنها، وأما التعليم فإنه يرى

في كثير من الناس ولكن لعدم التربية في أنفسهم لم ينفعهم تعليمهم ولا يزيد فيهم إلا

ضلالا وشقاوة.

وإذا ربى شخص نفسه وزكيها (؟) وأردف فيها التعليم كان من أعظم الناس

إرشادا وإصلاحا، ومن أهم ما يصلح شأن الأفراد والأمم هي التربية الكاملة والتعليم

الصحيح. ومعنى لفظ التعليم الوقوف والاطلاع في شيء مجهول سواء كان ضارا

أو نافعا. ولكن التربية هي التزكية والتنمية والعلو والارتفاع ولذلك مخاطبة الله

لنبيه في كل مواضع في القرآن بلفظ الرب، ويفهم من هذا أن من أعظم أسماء الله

الحسنى هي لفظة الرب.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣١٧