نبواته فهي قوله (مت 10: 34) : لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض،
ما جئت لألقي سلاما بل سيفا. فإن الأرض لم تخضب بدم أكثر مما خضبها به
أتباعه منذ أن صارت لهم قوة ودولة ولم يصدر عن أمة في العالم ما صدر من أمته،
حتى من رؤساء الدين منهم [3] ، من ظلم الأبرياء والأذى والاضطهاد وسائر
أنواع المفاسد والمظالم، حتى الآن كما هو مشاهد. (انظر مثلا ص 130 و131
من كتاب الحقيقة عن يسوع الناصرة) .
ويقولون: إذا كانت هذه ثمرة دينه في الأرض فبئست الثمرة، وإذا كان ذلك
كله مما فعله في ثلاث سنين، وهو فقير حقير ضعيف مضطهد (أش 53: 3)
فكيف به لو كان أوتي عزا ومالا وملكا كبيرا وعمرا طويلا، لذلك كفر به الناس
وكفروا بدينه، وبكل ما جاء به وألفوا المؤلفات الضخمة في مطاعنهم وردودهم
وصاروا اليوم يدعون الناس في أوربة جهرا إلى آرائهم وأفكارهم.
فليتأمل في ذلك دعاة النصرانية الذين يطعنون، وهم في بلاد المسلمين خوفا
من أن يسمعهم الملحدون فيضحكون منهم يطعنون في محمد بمطاعن ضعيفة واهية
لا تعد شيئا بالنسبة لما فعله المسيح وما يفعله الآن أتباعه كثيرا كالانتحار وشرب
الخمور والربا والمقامرة وحب المال لدرجة الفناء فيه والفسق والخلاعة والتبرج
والزنا والقتل والظلم والانغماس في اللذات والشهوات، وغير ذلك مما أتت به إلى
بلادنا مدنيتهم الإفرنجية التي يسمونها مسيحية ولا يخجلون ويظنون أن المسلمين
يخجلون من حكم الطلاق وتعدد الزوجات في الإسلام وجهاد الأعداء [4] في سبيل
الله بسبب ظلمهم لنا، على فرض قبحها، ليست كالأشياء التي رووها أنفسهم عن
المسيح، وأشرنا إلى بعضها هنا، والحكم عليها بالقبح مع ذلك ليس مما أجمع عليه
العقل البشري كمسائلهم تلك، بل هي أمور اعتبارية، ألا ترى أن مسألة تعدد
الزوجات في الإسلام هي من المسائل التي يختلف الحكم عليها باختلاف عادات
البلاد واختلاف أذواق أهلها فهي أقل من مسألة التزوج عند بعض الأمم بالأقارب
الأقربين مثلا.
فنحن، وإن كنا نستفظع ذلك التزوج بالأقربين ونستقبحه ونمقته، إلا أنه
ليس من المسائل المجمع على قبحها بين سائر البشر، وكذلك عادة رقص النساء مع
غير أزواجهن وإبداء زينتهن لغير محارمهن هي عندنا قبيحة وشنيعة وعند الإفرنج
حسنة وتعمل رسميا في قصور ملوكهم، فالخلاف بيننا وبينهم فيه كما قال الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
فإن قيل: إذا كانت هذه المسائل التي حكيتها عن المسيح صحيحة فما جواب
المسلمين عنها وهي تنافي معتقدهم في المسيح الذي عظمه القرآن تعظيما، وإن
كانت كاذبة فهل يعقل أن الإنجيليين وهم أحباب المسيح يخترعونها وينسبونها إليه
كذبا؟ قلت: إننا لا نقول: إن كل هذه المسائل اخترعها الإنجيليون أنفسهم بل
نقول: إنها روايات كاذبة افتجرها بعض أعداء المسيح الأولين من اليهود وغيرهم
وروجوها بين أتباعه حتى اشتهرت وظنوها روايات صحيحة فدخلت الغفلة على
رواة النصرانية حتى على كتاب الأناجيل لشدة جهلهم وغباوتهم كما دخلت على
كثير من محدثي المسلمين وكتاب السير منهم بعض أشياء من المنافقين والوضاعين
توجب الطعن في محمد صلى الله عليه وسلم والإسلام مع الفرق العظيم بين رواة
المسلمين ورواة غيرهم في نقد الحديث كما اعترف بذلك بعض علماء الإفرنج
أنفسهم (راجع مثلا كتاب المسحاء الوثنيين ص238 و239 لمؤلفه المستر
روبرتسن J. M. Robertson) .
ومع ذلك فقد ترك بعض الإنجيليين بعض هذه الأشياء ولم يشر إليها أو ذكرها
لذيوعها بين الناس، بطريقة مخففة لرفع الإشكال بقدر الإمكان بحيث لا يرى منها
أصل القصة جليا واضحا إلا بالرجوع إلى الأناجيل كلها أو بعضها وأخذ عبارة فيها
من هنا وعبارة من هناك حتى يتم فهم القصة، كمسألة تردد المسيح على بيت مريم
ومرثا في قرية بيت عنيا، فإن علاقة المسيح بهما وكونهما عاهرتين يحبهما