الرسالة، وعلى ذلك يحمل قوله في مرقس (13: 10) ينبغي أن يكرز أولا
بالإنجيل في جميع الأمم، وقوله في متى (24: 14) في كل المسكونة لجميع
الأمم ثم يأتي المنتهى. ولا تنس قول لوقا (2: 1) (صدر أمر من أوغسطس
قيصر بأن يكتتب كل المسكونة) ، أي أرض اليهودية خاصة كما قال صاحب كتاب
الهداية المسيحي في مجلد (2 ص 255) وغيره.
ومن أمثلة وداعته وتواضعه ورحمته غير ما تقدم ما جاء في إنجيل متى
(18: 21 و22) أن أحد تلاميذه مات أبوه فاستأذنه في الانصراف ليدفنه فلم يقبل
وقال له: اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم. والظاهر من هذا القول أن أبا هذا
التلميذ لم يكن مؤمنا به فلذا حقد عليه حتى بعد موته، ومنع ابنه من الذهاب ليدفنه
ولا ندري ماذا كان يفعل به لو قدر عليه وهو حي؟ فهل هذا خلق الرجل الذي أمر
غيره بمحبة الأعداء. وقد داس بعمله هذا مع تلميذه على أمر التوراة بإكرام
الوالدين وأيضا بعمله مع أمه مريم ومخاطبته لها بقوله (يو 2: 4) ما لي ولك يا
امرأة) ولكن كان في أول الأمر وخوفا من اليهود يقول لهم (مت 5: 17) : (لا
تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء) . فما أصدق كلامه هذا وغيره.
وهذه القصة تظهر أيضا أنه ما كان يريد بتعاليمه الداعية إلى السلم والرحمة
والإحسان إلى اليهود عامة كما قلنا من قبل تساهلا (ص191) بل كان يريد بها
من آمن به فقط من اليهود واتبعه ولذلك قال متى (12: 46 - 49) : إن أمه
وإخوته جاءوا مرة إليه ووقفوا خارجا طالبين أن يكلموه نحو تلاميذه، وقال: (ها
أمي وإخوتي؛ لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي)
يعني من آمن به فقط [2] .
ولذلك أمر أتباعه ببغض غيرهم كما سبق (لو 14: 26) فهل هذا هو الأمر
بالإحسان إلى الناس كافة حتى الأعداء؟ ومتى عمل هو نفسه بذلك أو أتباعه الذين
استغاثت الأرض من سفكهم دماء بعضهم بعضا لأقل الأسباب ودماء غيرهم من
الأمم بغير حق إلى الآن. ومنهم من أدار خده الآخر للضاربين (مت 5: 39)
وأحب أعداءه؟ أليست هذه التعاليم كلها حبرا على ورق، وهي مع ذلك غلو مذموم
مخالف للعقل والعدل وللطبيعة البشرية، وإيجابها في جميع الأحوال مؤد إلى الفساد
بطغيان الأشرار، وبتثبيط همة الأصدقاء وتنفيرهم لمساواتهم بالأعداء فيهملون ولا
يبالون. ومن منهم ترك ما اعتادوه من الانغماس في الملاذ والشهوات والترف،
وباع كل ماله كما في لوقا (18: 22) ووزعه على الفقراء؟ وإذا أطاع الناس
هذا الأمر أتصلح أحوال هذا المجتمع ويتقدم إلى الأمام أم يبطل فيه كل عمل
واختراع واكتشاف واجتهاد ما دامت الأموال كلها توزع من الأغنياء على الفقراء
بلا عمل ولا حساب؟ قال ملحدوهم: الظاهر أن يسوع ما أمر بذلك إلا حيلة؛
ليتمكن هو وتلاميذه من أخذ أموال الأغنياء ليعيشوا بها بلا عمل سوى التجول من
مدينة إلى أخرى صارفين في حاجاتهم كلها من أموال غيرهم حتى من النساء (لو
8: 1-3) كما هو شأن أهل البطالة والكسل المتشردين، وإذا كان كل شيء ينال
بالصلاة كما قال في (مت 18: 19 و20) فما حاجته بعد إلى أموال الناس التي
كان يأخذها منهم ويحملها في صندوق معهم يهوذا الإسخريوطي (يو12: 6)
فلماذا لم يترك المال لأهله ويسأل أباه السماوي فيعطيه كل ما احتاج إليه هو
وتلاميذه الفقراء الذين لا عمل لهم بعد اتباعه (مت 4: 19 - 22) سوى الإنفاق
من المال الذي كان يلقى لهم في الصندوق من الناس.
فهذا شيء قليل من كثير مما أصبح بعض الإفرنج يقولونه في المسيح. ومن
أراد أكثر منه فليقرأ مثل كتاب الحقيقة عن يسوع الناصرة المذكور آنفا The
Truth about Jesus of Nazareth، وإني أستغفر الله من كل هذا، ومما
جاء في هذا الكتاب الإنجليزي وغيره من تأليف ملحدي النصارى أنفسهم.
وقال هؤلاء الملحدون أيضا: إذا صح أن يسوع صدق في نبوة واحدة من