تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التمدن، وهذا شيء لا يعادله ثمن.

لا ينبغي لنا أن نقع في الوهم: إذا كنا لا نعتمد على وساطة الأشخاص الذين

لهم علاقة ضئيلة بالتقاليد الموروثة وبالإيمان، فإننا لا نستطيع أبدا أن نتغلغل إلى

الأجزاء العميقة من الشعب؛ لأن هذه الأجزاء بعيدة، ولا ثقة لها بنا، فهل نستطيع

أن نعرف ما يصدر عنها؟ هل نستطيع أن نقدر الآمال التي تنعقد لديها والأضغان

التي تنمو عندها؟ إنها بلا جدال عرضة لنفوذ الجمعيات الدينية، ومشايخ الزوايا،

ولكن هل نعرف أين؟ وكيف؟ وإلى أية درجة؟ وفوق ذلك ينبغي أن لا ننسى

الأمم المعادية لنا التي ترجو أن تغلبنا يوما ما من جراء الصعوبات التي

نصادفها هناك، وإن لهذه الأمم هناك عمالا سريين عديدين يعرفون حق المعرفة أن

يستخرجوا من الجهالة نفعا. وفي مقابلة ذلك نحن المعدودون أصحاب البلاد،

من أجل أننا أصحاب البلاد ليس عندنا شيء من السلاح، ولعمري إن حناننا ينشئ

لنا سلاحا كافيا، إن هذا الحنان يساعد على أن يكون لنا في البلاد من أهل العرفان

والتفكير والفهم رجال يقاومون الجمعيات الدينية ومشايخ الزوايا، فتصير علية القوم

في جانبنا، أو في جانب خصومنا وهو مما يتعلق بنا لا بغيرنا.

في الوقت الحاضر رغما عن انجلاء بعض الأوهام، فإن هذه الطبقة التي

ذكرناها لم تزل تتمتع بالالتفات إلى جهة فرنسة وهي مسوقة إلى ذلك بأسباب عديدة:

أهمها ميلها الشديد إلى حفظ مصالحها الأولية، ذلك الميل الذي تكون شدته

على قدر المعرفة لمسائل الأمم، فهل ننكر هذا الاستعداد الميمون ونحتقر الفائدة

التي تنجم عنه لنا؟ إن ذلك يكون خطيئة لا تغتفر، إن هذه المسألة مما لها يستحق

الانتباه، فإن الساسة العالمية عرضة للتبدل، وإنه لدى حالة كهذه قد يعرض لنا

أسباب الندامة من حيث إننا لم نكن أكثر استبصارا أو كياسة مما كنا، فيلزم أن

نعمل العكس وهو أن نحكم الرابطة التي تربط سكان هذا الوطن بنا، وأن نبدي لهم

بأننا سعداء ومطمئنون بقبول معاضدتهم لنا في الأمر. ومن أجل ذلك فإنه من

الواجب على حكومة الجمهورية أن تعمد في القريب العاجل إلى إنفاذ سياسة حرة

عادلة في أفريقية الشمالية ونحن عازمون على أن نطري هذه السياسة، وأن ندافع

عنها.

إن الذي تحتاج إليه امبراطوريتنا الإفريقية هو القوانين الدستورية اه.

(المنار)

إننا لما صار لنا صلة بأهل تونس والجزائر، وعلمنا من عقلائهم وأهل

البصيرة فيهم حقيقة ما يشكونه من سياسة فرنسة وإدارتها لبلادهم كنا نتعجب من

أمر هذه الدولة التي تجمع بين الأضداد؛ إذ هي في أوربة على ضد ما هي في

أفريقية، هي في أوربة أم الحرية والمساواة وناشرة لواء العلوم والفنون وما شم

مسلمو أفريقية رائحة ذلك منها في بلادهم، هذه الرائحة الطيبة التي تحيا بها الأمم،

بل شموا عوضا عنها رائحة خبيثة، كنا نرى مسلمي هذه البلاد يبغضون هذه الدولة

ويتربصون بها نوائب الدهر، ويتمنون لو تيسر لهم الهجرة من بلادهم ولا نرى

مثل هذا من مسلمي الهند ولا من غيرهم من مسلمي المستعمرات الأوربية، حتى

مسلمي روسية دولة التعصب الديني والسلطة المطلقة الاستبدادية، فقد كتب إلي

كثير من أهل القوقاس يقولون: إنه قيل لنا إنه يجب علينا الهجرة من بلادنا إلى

بلاد حكومتها إسلامية، وإننا لا نود أن نبتغي ببلادنا بدلا إلخ.

كنا نتعجب من هذه الطريقة التي جرت عليها فرنسة في تونس والجزائر ونرى

أنه يمكنها أن تملك قلوب المسلمين كما ملكت إدارة بلادهم؛ إذا هي أخلصت النية

في تعليمهم علوم العمران مع عدم التعرض لحريتهم الدينية وعدم الطمع في سلبهم

رقبة بلادهم، ولا ندري أيجهل أهلها هذا الإمكان أم لا، وكيف يجهلونه على

ذكائهم وفطنتهم؟ ولماذا لا يعملون به إذا كانوا يعلمونه وهم أبعد الناس عن

التعصب الديني الذي يمنع غيرهم من مثل ذلك.

ثم إننا صرنا نسمع حينا بعد حين أصواتا حرة من جو فرنسة نفسها تنبئ بهذا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٧٩