خاضعا لتأثير الجمعيات الدينية المؤسفة، وحين كانت أصوات مشايخ الزوايا
تصادف مكانا من قلبه، فالذي يحسن منا تقديره الآن هو أنه لم يعد لهذه الخطة حق
في الوجود، وأنه من الواجب على فرنسة أن تستبدل بها في القريب العاجل خطة
أخرى أكثر حرية وعدلا، وبذلك ترسم في أفريقية أثرا مفيدا وثابتا.
فمن جراء تأثير المدرسة العبدية [1] وهي من أهم المدارس اللاهوتية، وهي
التي أسبابها ونتائجها تنطبق انطباقا غريبا على الأسباب والنتائج المكونة للحركة
الفكرية الكبيرة القائمة حول الإصلاح، من جراء تأثير هذه المدرسة أخذ الإسلام في
الانصلاح، إن تلاميذ الشيخ محمد عبده دخلوا في محاربة المتعصبين في الدين
تعصبا أعمى. وهم يستنكرون كل البدع، ويرفضون سلطة أصحاب المذاهب، وإذ
كانوا خصوما للتعصب الشديد فهم يعلمون التساهل الواسع، والشيخ عبده في
تفاسيره للكتب الدينية يفصل العلم ومبدأ الاجتماع اللذين يوضحهما إلى أقصى
درجاتهما عن حيز العقيدة الذي ينبغي أن يبقى نقيا ضمن أصول ثابتة، وبهذه
الصورة لا يكون الشيخ عبده مقاوما للدين كما يدعي أعداؤه، بل إن هذا اللاهوتي
العظيم كان متقيدا تمام التقيد بأحكام القرآن والسنة، وهو بذلك يعيد الإسلام إلى
طهارته الأصلية، ويعيده إلى شبابه من حيث ملامسة التقاليد والنصوص.
وبتأثيره النافع تصير شريعة النبي صلى الله عليه وسلم كما وجب أن تكون
في كل آن، أي: دين التوحيد الحر المعقول الخالي من الأكليروس ومن التكاليف
تقريبا، الذي يبث في النفوس أدبا يقع تحت طاقتها، والذي بقاعدته السالمة من كل
روح إجبارية استطاع أن يخرج إلى العالم مدينتين مثل بغداد وقرطبة.
فالمدرسة العبدية من الآن فصاعدا تفسح للمسلمين العاملين بدون تقييد مجالا
واسعا للنجاح، وهي تسمح لهم فوق ذلك بأن يمتزجوا بالمعاطفة مع الشعوب
الغربية، فالهند ومصر وسورية مدينات لهذه المدرسة بنجاح مدهش، ومنذ
سنوات انتشرت هذه العقيدة في إفريقية الفرنسية ففي بادئ الأمر هزت تونس هزة
نشاط كبيرة، واليوم قد امتدت إلى الجزائر وغدا ستنبه مراكش.
فلا جرم أن هذه الحركة هي من الحركات التي تستحق اهتمام أوربة،
فإنكلترة وروسية وهولندة اللواتي عندهن مستعمرات إسلامية، وألمانية وإيطالية
اللاواتي لهن الأمل بأن يصير عندهن من ذلك، كل هذه الدول ينظرن إلى هذه
الحركة باعتناء؛ ولكن يظهر أن فرنسة وحدها غير شاعرة بها.
إن هذه الغفلة أي: غفلة فرنسا الخارقة للعادة، والتي هي من قبيل الإثم
وجلب الأخطار قد استمرت زمنا طويلا، وهي تعرقل مجهوداتنا في السياسة
الإفريقية فمن اللازم أن تنتهي.
إن فرنسة يجب عليها تلقاء نفسها أن تهتم بهذه المسألة مثل جاراتها بل أكثر؛
لأنه قد يتفق لسوء الحظ أن تصير اثنتان أو ثلاثة منهن عدوات لها في هذا المكان
في المستقبل الإسلامي فينبغي لها أن تتخذ موقفا بإزاء هذه الحركة التي أشرنا إلى
أسبابها ومنازعها.
هل يخطر لها أن تعتقها؟ إن ذلك لا يكون من الظلم الشنيع فقط، بل من
الطيش الذي لا فائدة منه أيضا، لا يمكن توقيف الشعوب متى كانت أحكام المقادير
الغامضة تدفع هذه الشعوب رغما عن نفسها، إذا تظاهرت فرنسا بمناهضة هذه
الحركة الوطنية في شمالي إفريقية، فإنها لا تستطيع أن تمنع شيئا، فإن هذه
الحركة مع ذلك تجري، ولا يكون نتيجة لهذا الحساب الفاسد إلا أن تكون أعداء
ألداء من الذين تستطيع أن تجعلهم معاضدين وأصدقاء إن لم تستطع جعلهم أبناء،
وبالعكس إذا كانت تريد أن تظهر لهم الانعطاف ولا تتوقف عن منحهم مساعدة حرة
خالصة فإنه تستخرج لها من هذه الحركة نفسها فوائد فائقة الحد؛ لأنها أولا إذا
سلكت هذا المسلك فإنها تقدر أن تراقب الحركة وأن تديرها، وأن تدخل فيها
معارفها، ثم بعد ذلك تتضافر مع علية القوم على إنفاذ ما تريد أن تعمله من نشر