الإمكان وتدعو إلى سلوك سبيله، ومن العجيب أن جريدة الطان التي هي لسان
نظارة خارجية فرنسة كان ينعكس منها مثل هذا الصوت الذي سمعناه في هذه الأيام
من جريدة فرنسة الإسلامية، نوه أحد مكاتبي الطان منذ سنين بمثل ما تنوه به هذه
الجريدة اليوم، وذكر ما يسميه بعضهم المدرسة العبدية وصرح بأن المنار هو الذي
نشر هذه الفكرة الإصلاحية في تونس وأن أهلها هم المعتدلون الواقفون بين العوام
وزعمائهم من شيوخ الدرس والطريق الجامدين الذين لا يريدون تغيير شيء مما هم
عليه وبين المتفرنجين الذين انسلخوا من دينهم وعاداتهم اتباعا لشهواتهم. وبمثل
هذا صرح لورد كرومر في تقريره الذي تكلم فيه عن وفاة الأستاذ الإمام الشيخ محمد
عبده فقال: (إن تلاميذه وسط بين الجامدين الذين يبغضون المدنية والمتفرنجين
الفاسدين؛ لأنهم دعاة للمدنية والتأليف بين المسلمين وبين غيرهم مع المحافظة على
أصول دينهم، وقال: إنه يجب على جميع الأوربيين العطف عليهم ومساعدتهم) .
مرت السنون ولم نر لكلام الطان تأثيرا بل إننا نعلم حق العلم أن حزب
المدرسة العبدية في تونس وشعارهم قراءة المنار يرون أنفسهم تحت مراقبة من
الحكومة الفرنسية، وأن أهل التعصب والجمود وأعداء المنار تؤيدهم فرنسة أم
الحرية؛ لأن زعماءهم منافقون تستعملهم الحكومة في غش عوام المسلمين، فلولا
مظاهرة الحكومة لما كان دجال تونس داعية الخرافات ودعي الخوارق والكرامات
يتجرأ على طبع قصيدة أخيه الدجال النبهاني في تكفير إمامي الإصلاح الإسلامي
في هذا العصر السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده وتكفير صاحب المنار أيضا.
ولماذا يتكئ هذا الدجال على فرنسة وهي تعلم أن خرافات أمثاله هي التي تجعل
الشعب الإسلامي عرضة لقبول الفتن والثورات ومقاومة المدنية؟ السبب معروف
وقد ظهر بأجلى مظاهره في العام الماضي عندما قام هذا الدجال الخرافي يدعو
المسلمين إلى ترك الاعتصاب في حادثة الترام الشهيرة، فكان هو أول من ركب
ودعا المسلمين إلى الركوب في الترام، ولكن لا يليق بفرنسة أن تجعل هؤلاء
الدجالين من أنصارها وأحزابها وقد انقضى الزمن الذي يروج فيها دجلهم في مثل
تونس المستيقظة أو كاد.
إن دعاة المدنية من المسلمين كمريدي المدرسة العبدية يودون الاستعانة على
تعليم أمتهم بفضلاء الإخصائيين من الأوربيين، وقد رأت فرنسة في هذا العام أن
أهل بيروت - أرقى مدن سورية - قاموا يطلبون بقرار من جمعيتهم الإصلاحية أن
يكون في ولايتهم مستشارون ومفتشون من الأجانب، وعلمت فرنسة أن الرأي العام
في بيروت وسائر سورية يفضل كل دولة أوربية على فرنسة فيما يطلبه لبلاده من
مساعدة الأوربيين، وما سبب ذلك إلا إدارتها وسياستها في تونس والجزائر، ولولا
ذلك لفضلوا فرنسة على جميع الأوربيين؛ لأن معظم ما في بلادهم من المدارس
وأسباب العمران هو فرنسي، وقد تفضل ناظر خارجية فرنسة بمجاملة وفد المؤتمر
العربي السوري الذي انعقد في باريس ووعده بالمساعدة، فكان لهذه المجاملة وقع
حسن في سورية.
لأجل هذا كله أظن أن الزمان قد جعل صوت جريدة فرنسة الإسلامية مرجو
القبول عند كثير من أحرار هذه الأمة النجباء، وأنه ليس من المحال أن ينجح في
حمل الحكومة على سن نظام دستوري عادل لإدارة هذه الامبراطورية الإسلامية
الإفريقية، وسترى فرنسة - إن هي شرعت في ذلك - أن العالم الإسلامي في
سورية وسائر الأقطار يشكر لها عملها شكرا تحمد أثره في سياستها وأعمالها
الاقتصادية، وتجد لها من سائر المسلمين أنصارا لهم تأثير عظيم ويليق بمثلها أن
تعتمد عليهم، إن هذا الصوت الفرنسي الفصيح المنعكس عن مدينة باريس الزاهرة
قد تلاقى مع صوت مثله في أرقى مدينة إسلامية وهي مصر، ألا وهو صوت
المجلة الفرنسية المصرية التي أنشئت هنا حديثا.
-----------------