العراق وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشاما، فكتب إلى خالد
يلومه ويعزم عليه أن يقتله، فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه، فلما صلى العيد
يوم الأضحى قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا تقبل الله منكم، فإني أريد أن
أضحي اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى، ولا اتخذ إبراهيم
خليلا، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا: ثم نزل فذبحه اه.
وقال ابن تيمية في الرسالة الحموية: أصل فشو البدع بعد القرون الثلاثة،
وإن كان قد نبع أصلها في أواخر عصر التابعين. ثم قال: وأول من حفظ عنه
مقالة التعطيل في الإسلام هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان،
وأظهرها فنسبت إليه اه، ومراده بالتعطيل حمل الصفات الربانية على المجاز
المستلزم للتعطيل؛ لأن التعطيل من لوازم مذهبه.
* * *
(12)
نبذة من أخبار خالد بن عبد الله القسري قاتل الجعد أستاذ الجهم
اشتهر هذا الأمير بقتل الجعد، وحكى ذلك كل من رد على الجهمية، ومن
الناس من أثنى عليه بقتله، وعده غيرة على الدين، ومنهم من رأى أن قتله كان
لأمر سياسي إلا أنه موه باسم الدين إقناعا للعامة بقتله، ثم منهم من وهم أن هذا
الأمير كان من الأخيار لأثره هذا، ومنهم من رأى عكس ذلك. ولما كان من متممات
بحثنا هذا إماطة الحجاب عن الارتياب في هذا الرجل عولنا على أئمة التاريخ في
ترجمة حاله [5] ، وملخصها أن خالدا هذا هو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن
كرز من بجيلة، فأما جده يزيد فإنه أسلم مع أبيه أسد في حياة النبي صلى الله عليه
وسلم، وروى عنه رواية يسيرة، ثم خرج في عهد عمر رضي الله عنه إلى الشام،
فكان بها وكان مطاعا في اليمن عظيم الشأن، ثم صار من قواد معاوية وأمراء
بعوثه.
وأما ابنه عبد الله فلم تكن له نباهة آبائه، وأهل المثالب يقولون: إنه دعي،
وكان مع عمرو بن سعيد بن الأشدق على شرطته أيام خلافة عبد الملك بن مروان،
فلما قتل هرب، حتى سألت اليمانية عبد الملك فيه لما أمن الناس عام الجماعة فأمنه،
ثم مضى عبد الله إلى حبيب بن مسلمة الفهري وكتب له، وكان كاتبا مفوها،
وذلك في خلافة عثمان بن عفان فنال حظا وشرفا، وكان يقال له خطيب الشيطان،
ووسم خيله (القسري) ، ثم تدسس ليملك خيلا في بلاد قسر [6] فمنعته بجيلة
ذلك أشد المنع، فلم يقدر عليه حتى عظم أمره.
ثم نشأ ابنه خالد بالمدينة، وكان خالد هذا المترجم، في حداثته يتبع المغنين
والمخنثين، وكان يقال له: (خالد الخريت) [7] ، وقع في شعر عمر بن أبي
ربيعة تلقيبه بذلك، ثم صار في مرتبة أبيه بعده، إلى أن ولاه هشام بن عبد الملك
العراق سنة 105 واستمر إلى أن عزله هشام سنة 120.
وكان الإسلام بالعراق في عهد خالد ذليلا، فكان يولي النصارى والمجوس
على المسلمين، وكان أهل الذمة يشترون الجواري المسلمات ويطئوهن، فيطلق لهم
ذلك ولا يغير عليهم، وسبب ذلك أن أم خالد كانت رومية نصرانية، ابتنى بها أبوه
في بعض أعيادهم فأولدها خالدا وأسدا، ولم تسلم هي، وبنى لها خالد بيعة في قبلة
المسجد بالكوفة فكان إذا أراد المؤذن في المسجد أن يؤذن ضرب لها بالناقوس، وإذا
قام الخطيب على المنبر رفع الناس أصواتهم بالقراءة، فذمه الناس والشعراء، فمن
ذلك قول الفرزدق:
ألا قطع الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد
فكيف يؤم الناس من كانت أمه ... تدين بأن الله ليس بواحد
بنى بيعة فيها النصارى لأمه ... ويهدم من كفر منار المساجد
وكان خالد قد أمر بهدم منار المسجد؛ لأنه بلغه أن شاعرا قال:
ليتني في المؤذنين حياتي ... إنهم يبصرون من في السطوح
فيشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كل ذات دل مليح
فلما سمع هذا الشعر أمر بهدمها.
وكان يبالغ في سب أمير المؤمنين علي عليه السلام، تؤثر عنه حكايات في
ذلك عديدة وكان مذمما للغاية، هجاه الفرزدق والأعشى بأشعار كثيرة، ويذكر به