وإضافتها إليهم إضافة أقوالهم أنفسهم، وقد نبه عليها أئمة الأصول، قال الإمام أبو
إسحاق الشيرازي في (اللمع) : ما يقتضيه قياس قول المجتهد لا يجوز أن يجعل
قولا له، قال: ومن أصحابنا من قال: إنه يجوز أن يجعل ذلك قولا له، وهذا غير
صحيح؛ لأن القول ما نص عليه وهذا لم ينص عليه، فلا يجوز أن يجعل قولا له.
اه.
ومثله يجري في قولهم: لازم المذهب ليس بمذهب، وقد رأيت لشيخ الإسلام
ابن تيمية تفصيلا في هذه المسألة، وهو قوله في بعض فتاويه: (لازم قول
الإنسان نوعان: أحدهما لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه؛ لازم
الحق حق، ويجوز أن يضاف إليهم إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد
ظهوره، وكثيرا ما يضيف الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب. والثاني: لازم
قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه؛ إذ أكثر ما فيه أنه تناقض، وقد ثبت
أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين عليهم السلام.
ثم إن من عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره فقد يضاف إليه، وإلا فلا
يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له لم يلتزمه لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لا
يشعر بفساد ذلك القول ولا بلازمه، قال رحمه الله: وهذا التفصيل في اختلاف
الناس في لازم المذهب هل هو مذهب أم ليس بمذهب، هو أجود من إطلاق
أحدهما، فما كان من اللوازم يرضي القائل بعد وضوحه به فهو قوله، وما لا
يرضاه فليس قوله، وإن كان متناقضا.
وهو الفرق بين اللازم الذي يجب التزامه مع الملزوم، واللازم الذي يجب
ترك الملزوم للزومه، وهذا متوجه في اللوازم التي لم يصرح هو بعدم لزومها،
فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال) . اه كلامه.
وهو تفصيل راعى فيه ما عليه أتباع الأئمة من إضافة ما يجري على
قواعدهم إليهم، وجعله قولا لهم، بحجة أن قواعدهم لا تأباه، أو أنه يعلم من حاله
أنه لا يمتنع من التزامه، كما قال تقي الدين.
ولا يخفى أن الأقعد هو التورع عن الإضافة مطلقا، فإن الذي يضاف إلى
المرء هو ما قاله أو رواه عنه ثقة، وأما تقويل الإنسان ما لم يقله وإلزامه إياه،
وأخذ نتائج منه، فهذا لا يدل عليه منقول، ولا يؤيده معقول، ولا جرى عليه
التابعون بإحسان، وإنما نشأ هذا لما استفحل أمر التقليد، وعوملت أقوال المتبوعين
معاملة أقوال المعصوم ونصوص الكتاب نعوذ بالله من ذلك، وذلك ظاهر لمن له
أدنى إلمام بسير القرون، واختلاف حال السلف عن الخلف في تحمل العلوم على
أصولها.
* * *
(10)
تمثل الشعراء بمذهب الجهمية
قال الإمام ابن تيمية في كتابه (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) :
أصل قول الجهمية هو نفي الصفات بما يزعمونه من دعوى العقليات التي عارضوا
بها النصوص؛ إذ كان العقل الصريح الذي يستحق أن تسمى قضاياه عقليات موافقا
للنصوص لا مخالفا، ولما كان قد شاع في عرف الناس أن قول الجهمية مبناه على
النفي صار الشعراء ينظمون هذا المعنى كقول أبي تمام:
جهمية الأوصاف إلا أنها ... قد لقبوها جوهر الأشياء
اه. ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... * * *
(11)
بيان أن مذهب الجهم متلقى عن الجعد بن درهم
وشيء من أنباء الجعد وقتله
وروى الأئمة أن أول من قال بخلق القرآن وخاض فيه وصيره هجيراه:
الجعد بن درهم، وكان مؤدب [4] مروان آخر ملوك بني أمية، ولذا كان يلقب
بمروان الجعدي؛ لأنه تعلم من الجعد مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير
ذلك، وكان الناس يذمون مروان بنسبته إليه، قاله ابن الأثير.
وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه: أقام الجعد بدمشق حتى أظهر القول
بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب وسكن الكوفة، فلقيه بها الجهم بن صفوان
فتقلد عنه هذا القول.
وقال ابن الأثير في سيرة ابن هشام: قيل: إن الجعد بن درهم أظهر مقالته
بخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير