كل ناعق، أو المقلدون بدون تمحيص ونقد.
من أعجب ما اتفق لي في ذلك ما رأيته في (طبقات السبكي) [2] من قوله:
(وأما جهم فلا ندري ما مذهبه، ونحن على قطع بأنه رجل مبتدع ... ) إلخ؛ ثم
قال [3] : واعلم أن جهما غاص في المعاني بزعمه، وأعرض عن الظواهر فسقط
على أم رأسه، وقامت عليه حجج الشرع، ومنعته عن سبيل الحق أي منع،
إلخ، فتأمل قول السبكي: فلا ندري ما مذهبه، ثم تهجمه عليه مع أن السبكي انتقد
على ابن حزم في تحامله على الأشعري قبل أسطر وعبارته: وهذا ابن حزم
رجل جريء بلسانه، متسرع إلى النقل بمجرد ظنه، هاجم على أئمة الإسلام
بألفاظه، وفي كتابه الملل والنحل الإزراء بأهل السنة، ونسبة الأقوال السخيفة
إليهم، من غير تثبت عنهم، والتشنيع عليهم بما لم يقولوه.
ثم قال السبكي: إن ابن حزم ما بلغه بالنقل الصحيح معتقد الأشعري، وإنما
بلغه عنه أقوال نقلها الكذابون عليه، فصدقها بمجرد سماعه إياها، ثم لم يكتف
بالتصديق بمجرد السماع حتى أخذ يشنع. اه.
فنقول له: لقد كدت تقع فيما رميت به الإمام ابن حزم. وممن نبه على ما
وقع من تساهل بعض المؤلفين الإمام فخر الدين الرازي في رسالته التي جمعها في
المسائل الواقعة له في رحلته إلى ما رواء النهر، فقد قال في المسألة العاشرة ما
مثاله: كتاب الملل والنحل للشهرستاني كتاب حكى فيه مذاهب أهل العالم بزعمه،
إلا أنه غير معتمد عليه؛ لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى بالفرق
بين الفرق من تأليف الأستاذ أبي منصور البغدادي قال الرازي: وهذا الأستاذ كان
شديد التعصب على المخالفين، فلا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه، ثم إن
الشهرستاني نقل مذاهب الفرق الإسلامية من ذلك الكتاب، فلهذا السبب وقع الخلل
في نقل هذه المذاهب اه كلام الرازي.
وهكذا انتقد العلامة المقبلي في العلم الشامخ من ينقل مذهب المعتزلة من كتب
الأشاعرة بأنه حصل الغلط عليهم في بعض كلامهم. وذكر أن هذا كثير الوقوع في
حكاية المذاهب قال: صحة الرواية تنبني على التحري وعدم المجازفة، ثم أثنى
على الرازي في تحريه النقل عن المعتزلة وعبارته: قد أكثر الرازي في تفسيره
الحكاية عن القاضي وغيره من المعتزلة ثم قال: الرازي أكثر عناية في هذا الشأن،
وأدقهم مسلكا وأوسعهم مجالا، وحاله في كتبه تحرير حجج الخصوم على أبلغ ما
يمكنه، وليس كسائر الأشاعرة لا يعرفون مذهب المعتزلة على حقيقته، ولا
ينصفونهم فيما عرفوا قال: وكذلك الزمخشري تنصيصا وتلويحا وإيماء وتصريحا،
كما قال بعضهم: إنه دس الاعتزال تحت كل ذرة من كتابه.
وقال أيضا: علم من المختلفين في العقائد اتباع الهوى وقبول المثالب من دون
تثبت: ذكر ذلك في نقده على الذهبي في قوله عن الجاحظ: إنه باقعة قليل دين.
قال: هو أجل من ذلك وإن تحامل عليه مخالفوه في العقائد، فلا يصدقون عليه،
وأصحابه المعتزلة أخبر به، فهو عند المعتزلة من جلة العلماء وعند الجميع مقدم
الأذكياء الحكماء اه.
وقال أيضا: وقد صار كل من الفرق يحكي الشر عن مخالفيه ويكتم الخير،
بل يروي الكذب والبهت، كما تذكر الأشاعرة أن المعتزلة تنكر عذاب القبر، ترى
ذلك فاشيا بينهم، مع أن النقل عنهم باطل، وهو شبيه قذف الغافلات، فإن المعتزلة
لا تكاد تظن قائلا يقول هذه إلا شذوذ مثل المريسي وضرار وهما بيت الغرائب،
مع أن ضرارا ليس من المعتزلة في روايتهم؛ لأنهم رووا عنه القول بالرؤية بحاسة
سادسة، ورووا عنه القول بخلق أفعال العباد، وأنه رجع عن الاعتزال، قال:
وعلى الجملة فليس شذوذه عن الفريقين بغريب، وإنما المنكر إلزام المعتزلة قوله،
وإنما هذه المسألة كسائر المسائل، لا بد فيها من شذوذ كشذوذ العنبري والظاهرية،
وهذا شيء كثير يطلعك عليه كتب المقالات. اه.
ويتفرع من هذا البحث مسألة جليلة، وهي إلزام الناس لوازم أقوالهم،