تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ... ... وأكمل منك لم تر قط عيني وأعظم منك لم تلد النساء

... ... ... خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء

(9) تنبيه: نظري إلى المسيح في العبارات الآتية هو ليس من الوجهة الاعتقادية بل من الوجهة التقليدية فقط بحسب روايات النصارى عنه فهو نظر تاريخي محض بقطع النظر عن اعتقاد المسلمين فيه، وفي جميع الأنبياء العصمة والكمال وبقطع النظر عن اعتقاد النصارى فيه الألوهية فليتنبه لذلك القارئ، فإن جوزت عليه شيئا من النقص البشري فليس ذلك لاعتقادي فيه ذلك، حاشا وكلا، بل هو لأجل مناقشة الخصوم فيما رووه عنه بأنفسهم، وعقيدتي في المسيح هي عقيدة القرآن أي أنه من أعظم الأنبياء ومن أكرم الرسل مصلحي الأنام وهداة البشر وهي العقيدة التي يلزمنا القرآن الشريف بها ولولاه لما عرفناه قدره بسبب ما يرويه نفس أتباعه عنه من النقائص كما سنبينه، فما يأتي هنا لم أقله عن لساني، وإنما هو عن لسان ملحديهم، وناقل الكفر ليس بكافر، وأنا معذور في ذلك؛ لأن النصارى هم البادئون بالاعتداء علينا وعلى ديننا وقد طغوا وبغوا فوجب علينا أن نوقفهم عند حدهم بسيف الحجة والبرهان وأن نرد كيدهم في نحرهم لعلهم يرجعون.

(10) لذلك كله ولغيره استباح بعض الإفرنج أو جميعهم الكذب في السياسة ونحوها، وإخلاف العهود فيها، وشرب الخمور والسكر، وتبرج النساء وإبداء زينتهن الفاتنة لجميع الناس، والخلوة بهن، والرقص معهن، ووطء غير المتزوجات من النساء ولم يعدوه من الزنا المحرم، والحروب الكثيرة العنيفة لأقل الأسباب والتغلب على الضعفاء والحقد على كل من خالفهم إلخ إلخ، فيجوز أن أسلافهم وكتبة الأناجيل كانوا من الرومانيين وغيرهم الإباحيين والاشتراكيين الذين كان كل شيء عندهم مشتركا بينهم (انظر أع 2: 44 و45) فما كانوا ينظرون إلى هذه الأشياء نظرنا إليها نحن الآن؛ فلذا نسبوا للمسيح - بلا حياء - ما بيناه هنا في المتن ليظهروا أن كل شيء قد أبيح لهم وأصبحوا غير مقيدين بشرع أو ناموس وما أسرع انتشار مثل هذه المبادئ الإباحية والاشتراكية بين الناس وخصوصا متبعي أهوائهم والفقراء، وهم الذين يتألف منهم الجزء الأعظم من كل أمة، فمن العجيب بعد ذلك - لأول نظرة - أن المسيحية لم تصر الدين الرسمي للدولة الرومانية إلا بعد ثلاثة قرون من زمن مؤسسها، فهذا شيء من مدنيتهم التي يقولون: إنها من آثار المسيحية فيهم، والمسيحية الحقيقية براء منها، وكذلك المسيح عليه السلام كما يعلم ذلك من تعاليمه الأخرى العالية الطاهرة التي بقيت بعض آثارها في الأناجيل إلى اليوم، وإن كانت مختلطة بغيرها مما أفسده الناس اتباعا لأهوائهم وشهواتهم، ولولا تعاليم المسيح هذه الحقيقية الشريفة التي حافظ عليها بعض فرق النصارى الأقدمين لكانت المسيحية أسرع انتشارا بين الرومانيين مما كان، غير أنها ما كانت تسود ولا تدوم بين البشر إلى الآن.

(11) قارن أعمال المسيح هذه مع أمه على ما في الأناجيل بقول القرآن (3: 14 و15) : (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) (لقمان: 14-15) (وقوله 17: 23 و24) : (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) (الإسراء: 23) إلى قوله: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) (الإسراء: 23-24) أما القرآن الشريف فقد كذب الأناجيل في هذه الدعوى أيضا، ونص على أن المسيح كان بارا بوالدته ولم يكن جبارا شقيا كما في سورة مريم (19: 32) أي لم يكن عاقا لها ولا قاسيا على أحد بخلاف ما يفهم من الأناجيل كما ستعرف.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٧١