تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(7: 6-13) (راجع أيضا كتاب دين الله صفحة 81 - 84) على أن بعض فرق النصارى الأقدمين في القرن الأول والثاني قد أنكروا العهد القديم كله أو أكثره كالأبيونيين والماركيونيين وغيرهم، ويبعد كل البعد أن تنكر هذه الفرق هذه الكتب من غير أن يستندوا على شيء رووه عن المسيح نفسه في

أمرها، وقد كانوا قريبي العهد به عليه السلام فتكون روايتهم أصح من رواية هذه الأناجيل التي لم يعرف لها سند إلا في أواخر القرن الثاني وما خلت من التحريف بعد ذلك كما بينا، وجاء في إنجيل برنابا أن المسيح نص على تحريف اليهود لكتبهم (راجع مثلا الإصحاح 44: 3) منه وهو من الأناجيل

القديمة، وإن يكابروا فيه ويكذبوا وما يدرينا أنه كان يوجد في الأناجيل الأخرى التي رفضوها وأضاعوها مثل ما في إنجيل برنابا أيضا، ولا تنس أن أناجيلهم هذه الحالية لا تشمل جميع أعمال المسيح وأقواله طبعا باعتراف مؤلفيها (يو 21: 25) .

(8) من أكبر آيات إخلاص النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه في دعواه أن القرآن الذي عظم جميع الأنبياء تعظيما كبيرا، وأثنى على كل من ذكره باسمه منهم فردا فردا، وبرأهم من كل ما رامهم به أهل دينهم من الكبائر والفضائح قل أن اختص محمدا بمدح أو بفضل أو مزية دون غيره من إخوانه الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، بل كثيرا ما يذكر محمدا مع شيء من اللوم له أو العتاب أو الإرشاد والتأديب ونحو ذلك مما يعرفه المطلعون على القرآن الكريم، ولو كان محمد من الكاذبين لما سجل على نفسه شيئا من هفواته في القرآن الكريم (راجع مثلا 17: 73 - 75 و33: 37) وغير ذلك، ولخص نفسه بالمدح والتعظيم والتبجيل والإكرام في أغلب القرآن، ولرفع منزلته فوق كل منزلة، ولنص على أنه أفضل النبيين وأقرب المقربين من رب العالمين، بل لادعى البراءة من كل عيب ونقص وخطأ، ولنسب لنفسه العصمة من كل زلل أو سهو أو نسيان، ولما أمر في القرآن بطلب الرحمة والغفران من الله ولما ألزم نفسه الفرائض الكثيرة والنوافل العديدة الشاقة في صلواته وصيامه وقيامه بالليل لعبادة الرحمن (راجع كتاب دين الله ص70 و71) ولادعى الكمال المطلق في كل شيء، ولقال: إن العالم خلق لأجله ومن نوره وأنه أول موجود كما يقول عامة المسلمين الآن فيه تقليدا للنصارى في عيسى، بل لقال عن نفسه أكثر مما قال يوحنا في إنجيله عن المسيح، ولما نهى عليه السلام الناس، وبالغ في النهي، عن إطرائه كما أطرت النصارى عيسى أو لعدد على الأقل في قرآنه جميع أعماله وأتعابه ومناقبه ومفاخره أو لأعجب بنفسه ومدحها كثيرا كما فعل بولس في رسائله على ما سبق بيانه في صفحة (80 - 82) ولكن أين ذلك الكبر الباطل والغرور والإعجاب بالذات من تلك الروح العالية، والنفس الطاهرة الكبيرة، روح الصدق والإخلاص والتواضع والانكسار لله تعالى؟ وفوق ما تقدم كله لم يذكر في القرآن حادثة من حوادث حياته إلا عرضا ولغرض غير مجرد تدوين أخباره وسيرته، فإن الرغبة في ذلك لم تكن منه مطلقا وإلا لو أرادها لكانت (راجع أيضا كتاب دين الله ص68 - 71) زد على هذا أنه لم يضع للمسلمين موسما أو عيدا أو نحو ذلك لتذكر شيء ما من حوادث حياته الشخصية كيوم ولادته أو هجرته أو إسرائه أو غير ذلك مما ابتدعه الناس بعده، ولو شاء لجعل كثيرا من أمم الأرض تعبده، أو على الأقل تذكره كل سنة بأعياد عديدة ومواسم متكررة، فأين هذا ممن كان يطلب بنفسه من الناس أن يمدحوه ويظهر رغبته في ذلك كما فعل بولس (2 كو 12: 11) بل قد نهى صلى الله عليه وسلم فوق هذا كله مرارا عن تعظيم قبره أو اتخاذه وثنا أو عيدا حتى قال العلماء: إن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة أو موضوعة لا يصح الاعتماد على شيء

منها؛ ولهذا لم يروها أهل الصحاح والسنن (راجع كتاب التوسل والوسيلة لابن تيمية صفحة 82 - 86) فأي تواضع أكبر من ذلك؟ وأي إنكار للذات أعظم منه؟ لذلك كله ترك القرآن الحكم على هذه النفس العالية العجيبة نفس محمد وتقديرها قدرها للزمان، ولعقلاء الرجال المفكرين، الذين نبذوا التعصب والتقليد وراء ظهورهم وتركوه خلفهم نسيا منسيا، فظهر لهم - ولله الحمد - بعد أن نظروا في أعمال النبي صلى الله عليه وسلم وإصلاحه في الأرض ودينه وشريعته وقارنوا ذلك بغيره من الأديان أنه أكبر مصلح قام في الأرض وأعظم من يسميهم المليون أنبياء وأخلص المخلصين، وأصدق الصادقين، وهذا الحكم عليه ليس صادرا من المسلمين، بل من كبار المفكرين، والعلماء في العالم المتمدن من ملحدين ومؤمنين، أحرارا ومتعصبين (انظر مثلا: نشوء القرآن التاريخي للقس إدوارد سل ص184) كما يعرف ذلك المطلعون على كتبهم:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٧٠