تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(4) لذلك وضع عن اليهود شيئا من إصر التوراة وأغلال الناموس كما فعل في يوم السبت حيث خفف شدة حكمه (راجع يو 5: 10 - 12 وخر 20: 10 وعد 15: 32 - 36) فلذا قال الله تعالى في القرآن الشريف عن لسانه: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (آل عمران: 50) .

(5) فإنه مرسل إليهم أولا وبالذات فإن رفضوا ولم يؤمنوا به دعي حينئذ غيرهم من الأمم، وإلا فلا (مت 22: 1-14 وأع 13: 46 و18: 6 ورومية 1: 16) وأما محمد صلى الله عليه وسلم فمرسل للناس كافة سواء قبله العرب أو رفضوه، ولكن يجب أن يبدأ بدعوتهم ليستعين بهم على دعوة غيرهم، هذا إذا تساهلنا معهم في فهم عبارات كتبهم المتناقضة حتى في هذه المسألة الهامة، وسنتكلم معهم قليلا في ذلك قريبا بغير هذا التساهل.

(6) أي سبب للعلم بها فإنه هو ومعجزاته من أعظم الدلائل على إمكان البعث، وهذه العبارة في الآية مجاز مرسل علاقته المسببية، فإنه أطلق المسبب وهو العلم وأراد السبب وهو عيسى ومعجزاته كقولك: أمطرت السماء نباتا أي مطرا يتسبب عنه النبات وقرئ أيضا (وإنه لعلم للساعة) (الزخرف: 61) بفتحتين أي أنه كالجبل الذي يهتدى به إلى معرفة الطريق ونحوه فبعيسى عيله السلام يهتدى إلى طريقه إقامة الدليل على إمكان الساعة وكيفية حصولها كما بينا في المتن.

(7) إنما لم يقل: ولأبين لكم كل ما تختلفون فيه؛ لأنه لم يفعل ذلك بل ترك بيان كثير من الأشياء كالفساد الذي دخل في أغلب كتبهم للبارقليط محمد الذي يأتي بعده لعدم استعداد الناس في زمنه لقبول كل شيء منه كما قال هو نفسه (يو 16: 12 و13) وخصوصا إذا تعرض للطعن في كتبهم وهي رأس مالهم الوحيد وتراث أجدادهم، ولو فعل ذلك لشك فيه الكثيرون منهم وكذبوه، ولما اتبعه إلا الأقلون أو النادرون فتضيع الفائدة من بعثته التي بيناها في المتن وهي التي بعث لأجلها، وأما قول الله تعالى عن لسانه: (ومصدقا لما بين يدي من التوراة) (آل عمران: 50) فالمراد بمثل هذا التعبير أنه بمجيئه عليه السلام تحققت نبوات التوراة عنه وبه صحت وصدقت، وكلمة التوراة تطلق على كل كتب العهد القديم كما بيناه في كتاب دين الله (ص65) فالمعنى أن مجيء عيسى كان وفق ما أنبأنا به النبيون عنه من قبل، ولولاه لما صدقت تلك النبوات فإنها لا تنطبق إلا عليه، وليس المراد أن عيسى يقر كل ما في التوراة كما يتوهم النصارى الآن من مثل هذه الآية وإلا لما قال بعدها مباشرة: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (آل عمران: 50) فكيف يقرها وهو قد جاء ناسخا لبعض ما فيها، فتدبر ذلك ولا تكن كهؤلاء الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويفسرون ما لا يفهمون! ! هذا إذا سلمنا ما في هذه الأناجيل من أن المسيح عليه السلام لم يطعن في كتب اليهود الموجودة في زمنه ولم يبين لهم ما فيها من الفساد ولكن كيف يثق المسلم بما في هذه الأناجيل بعد الذي كتبناه فيها؟ فيجوز أن المسيح بين لهم فساد كتبهم كله أو بعضه المهم؛ ثم إنهم أهملوا أغلب أقواله هذه تدريجيا حتى نسوها لعدم موافقتها لأهوائهم، ولما شبوا وربوا وشابوا عليه وورثوه عن آبائهم كما أهملوا أقواله في التوحيد الحقيقي وخالفوا نصائحه ووصاياه في مسائل كثيرة مما بيناه، وتغالوا في شأنه شيئا فشيئا حتى جعلوه إلها وهو - لا شك - بريء من هذه الدعوى، ولا يخفى أن تلاميذه - وهم ضعاف من وجوه كثيرة - ولو كانوا أكثروا من الطعن في كتب اليهود وترديد أقوال المسيح فيها لنفروا اليهود منهم ومن دينهم ومسيحهم؛ ولزاد اليهود في احتقارهم وإيذائهم فلذا تحاشوا ذلك وخصوصا؛ لأنه لا يمكنهم إقناعهم بصحة مسيحية عيسى إلا بهذه الكتب فاستمروا على قبولها والتعويل عليها مجاملة وخوفا من باقي أمتهم اليهود واستمالة لهم لإدخالهم في دينهم بها، وربما أنهم حرفوا بعض أقوال المسيح التي نقلوها في هذه المسألة وجعلوها قاصرة على ذم المسيح اليهود باتباع تقاليدهم الموضوعة لا بتحريف كتبهم المقدسة كما هو الظاهر مما في إنجيل مرقس مثلا.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٦٩