تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(2) لذلك ترى أن أكثر معجزات عيسى هي مما له علاقة بإحياء الميت كخلقه هو نفسه بدون أب أو كإحياء الموتى على يديه وكتحويل الطين طيرا ليدل بذلك كله على قدرة الله التامة على البعث فإن الذي خلقه بدون استيفاء أهم الشروط المعتادة في خلق الأحياء الراقية وأحيا على يديه الموتى بل الجماد لا شك أنه قادر على بعث الخلائق يوم القيامة مهما طرأ عليهم من الفساد والانحلال والتغير، ومهما فقد من الشروط المعتادة أو اللازمة للحياة في هذه الدنيا، لذلك قال تعالى في عيسى: ... (ولنجعله آية للناس) (مريم: 21) وجاء عن لسانه مكررا في موضع واحد (3: 49 و50) وقوله: (أني قد جئتكم بآية من ربكم) (آل عمران: 49) إلى قوله: (وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون) (آل عمران: 50) أي إذا علمتم مما جئتكم به من الآيات أن الله موجود وأنه سيبعثكم للحساب يوم القيامة كان واجبا عليكم - إن كنتم تعقلون - أن تتقوه كمال التقوى وتطيعوني، أما في زمن البعثة المحمدية وقد ارتقى الناس في الجملة عن ذي قبل، فكانوا يرون أو يمكنهم أن يروا ما لا يراه القدماء إلا نادرا من أن آيات الكون الحاصلة أمامهم كل يوم تكفي لإثبات أن الله قادر على البعث؛ لأنه تعالى يخلق فعلا في كل وقت الأحياء النباتية والحيوانية من الجماد كما هو مشاهد لجميع الناس، ولا شك أن إعادة الخلق أهون من بدئه كما قال القرآن الشريف (30: 27) لذلك اكتفى القرآن بتنبيههم إلى هذه الآيات الكونية في أكثر من سورة وناقشهم فيها مناقشة عقلية منطقية كما هو معلوم لمن يتدبر آياته، راجع مثلا سورة الحج (22: 5-7) وما زال يرشدهم إليها ويذكرهم بها ويجادلهم فيها حتى اقتنع العرب اقتناعا عقليا صحيحا بقدرة الله على البعث وتبعتهم الأمم الداخلة في الإسلام إلى اليوم، فالناس، وإن كفتهم الحجة العقلية في زمن البعثة المحمدية وبعدها إلا أن أكثر الأمم أو كلهم قبل ذلك ما كانت تكفيهم هذه الحجة أو لا تؤثر فيهم تأثيرها في الناس بعد الإسلام؛ فلذا جاء عيسى وغيره لقومهم بالمعجزات الحسية، والغالب أن الأمم القديمة ما اقتنعت بهذه العقيدة اقتناعا عقليا جازما، وإنما سلموا بعد أن رأوا من أنبيائهم ما رأوا من المعجزات الحسية ونحوها لا بالحجج العقلة كأهل الإسلام وربما كان اقتناعهم بها بعد ذلك أقل درجة من اقتناع المسلمين، ألا ترى إلى قول إبراهيم وهو أبو النبيين (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) (البقرة: 260) فإذا كان هذا حال إبراهيم فما بالك بغيره من الناس؟ والحق أن استعمال الحجج العقلية لإثبات المسائل الدينية لم يعرف بين أكثر الأمم قبل الإسلام ومن عرف عندهم لم يبلغ مبلغه بين المسلمين كما لا يخفى على المطلعين الباحثين في أحوال البشر وعقائدهم، والفضل في ذلك كله للقرآن الذي نهض بالعقل البشري نهضة لم يسبقه بها كتاب، إن في ذلك لآيات لأولي الألباب.

(3) من غرائب عقول النصارى أنهم مع تسليمهم بقيامة الأموات والبعث الجسماني (1 كو 15: 12 - 45) وبالعذاب الجسداني أيضا، كما قلنا في المتن، الدائم إلى أبد الآبدين (مت 5: 29 و8: 12 و13: 42 ورؤ 19: 20 و20: 10) يعودون فينكرون النعيم الجثماني ويسخرون من المسلمين؛ لأنهم يقولون به، فلا أدري لماذا يقبلون تعذيب الجسد بالنيران وغيرها ولا يقبلون تنعيمه بما يليق به من أكل وشرب وجماع وغير ذلك مع الأدب والكمال، وإذا كان الله قضى بحصول هذه الأشياء في الدنيا للإنسان والحيوان فأي استبعاد إذا للقول بحصولها أيضا في الآخرة على نحو أكبر وأبهى وأفضل؟ نعم، إن الجماع شهوة بهيمية ولكنه هو كالأكل والشرب الذي قالت كتبهم بحصوله في الآخرة (لو 22: 30) لذلك سميت دار النعيم عندهم أيضا بالفردوس (لو 23: 43) أي البستان بالفارسية لما فيها من الأشجار والأثمار ونحوها، وإذا استعمل الجماع في محله مع الاحتشام والأدب فلا عيب فيه ما دام الإنسان في الآخرة لم يخرج باعترافهم عن كونه حيوانا جسدانيا، وأي فرق حقيقي بين اللذة الروحية واللذة الجسدية؟ وكلتاهما لا تصل إلى الإنسان ولا تكون عادة إلا بطريق الجسد، وإن كانت الأولى خيرا وأبقى من الثانية، ولكن في الآخرة ستكون الاثنتان باقيتين، هذا ولم يقل أحد من المسلمين: إن لذة الآخرة كلذة الدنيا ولا إن الآخرة خالية من النعيم الروحاني، وكيف يقول أحد منهم ذلك والقرآن يقول: (ورضوان من الله أكبر) (التوبة: 72) ويقول: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) (القيامة: 22-23) ، (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور * الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) (فاطر: 34-35) وقال: (وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة) (عبس: 38-39) و (وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية) (الغاشية: 8-10) وغير ذلك كثير، (راجع كتابنا الإسلام ص50 و51 منه) وإذا اقتصر القرآن على ذكر اللذات الروحية أيكون لكلامه من التأثير على عامة البشر ما كان له بذكر اللذتين؟ ومن من العامة يدرك اللذة الروحية أو يقدرها قدرها، أو تنفعل نفسه لها؟ هذا وسيرضى كل في الآخرة بما قسم له من النعيم كما يرضى الصغير بثوبه الصغير والكبير بثوبه الكبير بحيث إذا أعطي للكبير ثوب الصغير لغضب وعد ذلك استهزاء به، وكذلك العكس كما قال المسيح عليه السلام في إنجيل برنابا (176: 1-16) ولذلك قال تعالى في القرآن الشريف: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) (الحجر: 47) ولما كان الرجل في الدنيا أقوى وأفضل وأعقل من المرأة وأكبر شهوة منها فلا عجب أن كان ثوابه في الآخرة أكبر؛ لأن أعماله أعظم والذي فضله في الدنيا هو الذي سيفضله في الإخرة بسبب عمله ولا يثير ذلك حقد المرأة عليه كما بينا هنا.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٦٨