تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يطلعوا على الترتيبات) .

فليتأمل العقلاء كيف اعترف الزعيم الاتحادي الذي كان ناظرا للمالية

بأنهم صرفوا على الجيش أربعين مليون ليرة، وكيف يتبجح بأن ثمرة تنظيمهم

للجيش وإنفاقهم عليه قد ظهرت في قتالهم لطائفة من رعية الدولة المخلصة لها،

أهذه هي غاية استعداد الدولة الحربي أيتها الجمعية الدستورية المصلحة؟

أتعدون منتهى شوطكم أن تأخذوا أبناء الأمة وأموالها وتحملوها الديون التي

تذلها للأجانب لأجل أن تقاتلوها به وتذلوها وتدمروا بلادها؟ ألا فليعتبر المعتبرون،

أو ليأتينهم العذاب وهم ينظرون.

(2)

تهييج عصبية العناصر العثمانية

كان الناس يفهمون من اسم جمعية الاتحاد والترقي أنها جمعية غرضها

أن تجعل بين العناصر العثمانية وحدة سياسية اجتماعية بالمساواة بين الترك

وغيرهم في الحقوق الشخصية والحقوق العامة كمناصب الدولة ووظائفها، وأن

هذا هو المراد من كلمة الاتحاد الذي يتبعه الترقي في العمران، وما يتوصل به

إليه من العلوم والفنون. فلما صار النفوذ في هذه الجمعية لأمثال الدكتور ناظم

وطلعت وجاويد ورحمي وجاهد وأضرابهم، ظهر للباحثين، والمطلعين من

العثمانيين والأجانب أن مرادهم بالاتحاد أن تدغم العرب والأرنؤوط والكرد وغيرهم

في الترك، وتفنى لغاتهم وجنسياتهم فيهم فيكون جميع العثمانيين تركا.

كنا في طليعة من كتب في هذه المسألة ببيان فوائدها وغوائلها ومقاصدها،

ووجوب تقديم درء المفاسد على جلب المصالح، ومن أوسع ما كتبناه في

ذلك بيانا مقالة فلسفية اجتماعية عنوانها: الجنسيات العثمانية واللغات

التركية والعربية، نشرت في منار رجب سنة 1327 أي بعد الدستور بسنة

واحدة، بينا فيها بالدلائل والحجج القيمة أن محو جنس من البشر بإدغامه في

جنس آخر قد صار في هذا العصر محالا، وأن الدولة العثمانية لا تستطيع أن

تجعل غير الترك فيها تركا، وأنها لو كانت تستطيعه لعذرتها عليه سياسة لا

دينا، لأنني وأنا مسلم أرى أن الإسلام لا حياة له إلا بحياة اللغة العربية،

وإنما حياتها بجعلها لغة الخطاب والعلم عند أهلها، ولكن زعماء الجمعية

المغرورين الأغرار كانوا يرون أنفسهم قادرين على المحال.

لا عجب ولا غرابة في الأمر، فإن أولئك الزعماء إذا لم يسمعوا حجج تلك

المقالة ولم يشعروا بها فقد كان لهم على غرارتهم مانع من نشوة الغرور بخضوع

العثمانيين لهم، وتقديسهم لجمعيتهم، وإفاضتهم الدنانير والدراهم عليهم، ومن سكر

الإعجاب بثناء الجرائد الأوروبية على رجال الانقلاب العثماني، وإن كان المستحق

لهذا الثناء هو صادق بك والضباط الذين اتبعوه من دونهم، ولكن العجب والغرابة

في استمرار أكثر العثمانيين على الاغترار بهم بعد السنة الأولى للانقلاب، وأعجبه

وأغربه ما كان من العرب الذين لم يهتم بهم الاتحاديون بشيء اهتمامهم بمحو لغتهم

وإزالة جنسياتهم، أو إضعافها وإنهاك قواها ليستريحوا من إدلالهم بالكثرة والدين

الذي يخيفهم منه على السلطة التركية ما في كتب العقائد وكتب الحديث من كون

الخلافة في قريش والأئمة منهم، وإن لم ينازعهم العرب في جعل الخلافة فيهم.

وكل ما يوجد من هذا القبيل فيما نعلم أن بعض أصحاب الدسائس والمطامع

في مصر كانوا يستغلون وسواس السلطان عبد الحميد فيوهمونه أن للعرب

جميعة أو جمعيات تسعى للخلافة سعيها، فكان بعضهم يرسل التقارير السرية

إلى المابين في ذلك حتى تجرأ مصطفى كامل على الجهر بالإرجاف بهذه

الفتنة في لوائه، في أول العهد بإنشائه، وكبر الوهم فيها وعظمه بزعمه أن

بعض الأمراء يساعد هؤلاء الساعين على سعيهم.

وقد أنكرنا على اللواء الإرجاف بهذه الفتنة في المجلد الثاني من المنار

فكان إنكارنا هذا هو السبب الأول في طعن ذلك الرجل وأخلافه فينا (كما أنكر

المؤيد عليه ذلك مرارا) .

فلما زالت سلطة عبد الحميد ودالت الدولة لفتيان الترك الأحرار الذين كنا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٦