تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسلم فلم يقبلوا، وأظهروا الاحتقار بهؤلاء المبعوثين حتى أنهم صفعوا

إسماعيل كمال بك الزعيم الشهير في مجلس الأمة، ومن غرائب صنعهم أن

جمعوا ما قدروا على جمعه من سلاح المسلمين ولم يعيدوه إليهم، ولكنهم

أعادوا السلاح إلى الماليسوريين لأنهم نصارى، فانظر كيف كان عاقبة أمرهم،

وكيف ظهر أنه يجب عليهم أن يسلحوا جميع مسلمي تلك البلاد ويدربوهم

على الفنون العسكرية لأجل الدفاع عنها، ويؤلفوا منهم عصابات كعصابات البلغار

وغيرهم، ولو فعلوا ذلك لنفع الدولة في هذه الحرب نفعا عظيما.

ثم فعلوا فعلتهم في اليمن وعسير، وفي الكرك وحوران، فقد جردوا لقتال

المسلمين في هذه البلاد زهاء مائة ألف جندي من أحسن جنود الدولة النظامية

أو أحسنها على الإطلاق، قتل منهم في اليمن ألوف كثيرة وبقيت مسألة اليمن كما

كانت. ولكن خربوا بلادا كثيرة منها ومن بلاد الكرك وحوران ولم تستفد الدولة في

مقابلة هذا التخريب والخسران شيئا، ولو تم لهم ما أرادوا من جمع السلاح من بلاد

اليمن لاستولت عليها إيطالية في السنة الماضية وقتلت من فيها من العسكر؛ لأن

الدولة ما كانت تستطيع أن ترسل إليها مددا، ولو ظل أولئك الجنود في معسكرهم

لرجحت الدولة على البلقانيين بهم.

والآن يتحدث الناس فيما ذكرته الجرائد الفرنسية عن سورية ومصالح

دولتها فيها، والظاهر أن المراد به اختبار رأي الدول في أمر استيلائهم عليها،

وقد عرف بالقياس على مسألة طرابلس الغرب ومسألة البلقان أن الدولة لا

تقدر على حفظ سورية إلا إذا كان فيها قوة ذاتية تخشى الدول العظمى بأسها،

ولا يمكن أن تأتي هذه القوة من الرومللي ولا من الأناضول، بل يجب أن

تكون مؤلفة من الجند النظامي والاحتياطي الذي فيها، ومن قبائل العرب

والعشائر الوطنية والمجاورة، وهؤلاء هم الذين يخشى الأجانب من جانبهم إذا

كانوا مدربين على القتال ما لا يخشونه من الجند الرسمي؛ لأن قتالهم يكون

بالمطاولة لا بالمناجزة، فالخسارة فيه عظيمة، وإنما هؤلاء الأجانب تجار

يطلبون الربح من أقرب طرقه، وأشدهم اتقاء للقتال أعظمهم توغلا في

الاستعمار كإنكلترة وفرنسة.

ولعل إيطالية لا تعود إلى مثل غلطها في طرابلس الغرب، بل أظن أن

البلغار قد ندمت على تهورها في طلب أمنيتها على ما أتيح لها من الظفر

بتخاذلنا وإهمالنا، وأنها لا تعود إلى مثله.

ظهر ضرر هذا العمل السيئ الذي شرع فيه الاتحاديون، وظهر أنه كان

الواجب المحتم أن يعملوا ضده، وأن يجعلوا في كل قطر من هذه الأقطار قوة

أهلية تساعدها الدولة وتؤهلها للدفاع عن قطرها، فهل يعتبر الناس بهذا

ويسعون للواجب من جميع الطرق، هل يعتذر عنه الاتحاديون ويندمون عليه،

هل يسكت عن الاعتذار لهم مأجوروهم والمغرورون بهم؟

كلا إننا قرأنا في جرائد أمس أن زعماءهم لا يخجلون من الإصرار على

التبجح بقتال الدولة - أو الحكومة الاتحادية - للأرناؤوط، وإن ظهر أن ذلك

كان مصابا كبيرا على جمعيتهم من جهة، وعلى الدولة نفسها من جهة أخرى،

وهاك شاهدا مما نقلته إحدى جرائد الآستانة عن أحد زعماء الجمعية الذين

فروا في هذه الأيام إلى أوربة:

كتب صاحب جريدة أقدام التركية من سويسرة إلى جريدته في الآستانة

يقول: إنه قرأ في جريدة بسترلويد حديثا دار بين مكاتب هذه الجريدة مسيو

رالي وبين جاويد بك أحد زعماء جمعية الاتحاد والترقي الذي كان ناظر

المالية في أهم وزاراته، سأل ذلك المكاتب جاويد بك عن أسباب انكسار

الجيش العثماني وخذلانه في البلقان، فكان الجواب بعد مقدمة فيما ينقص

الجيش وفي معداته ما خلاصته:

(إننا كنا هيأنا كل شيء وأنفقنا على ذلك أربعين مليون ليرة في السنوات

الأربع الماضية، ولقد ظهر كل هذا في تجهيزنا الحملة على بلاد الأرنؤوط

ومحاربتنا لتلك البلاد، أما أسباب فشلنا العظيم فترجع إلى تنظيم رجال جدد لم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٥