تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نسعى معهم سعيا واحدا إلى إزالة الاستبداد السابق ظننا أننا استرحنا من

الدسائس التي يروجها المفسدون في سوق الوساوس، ولكن رأينا زعماء

جمعية الاتحاد والترقي لم يدعوا سيئة من سيئات العهد الحميدي إلا وأعادوها

جذعة، فهم بعد أن أرسلوا مفتشيهم وجواسيسهم إلى جميع البلاد العربية حتى

الحجاز فلم يروا من العرب إلا الإخلاص الكامل للدولة، ولم يشموا في بلادهم

أدنى رائحة لشيء يسمى الخلافة العربية، وبعد أن أغروا شريف مكة بابن

سعود، وإمام اليمن بالسيد الإدريسي، وليس عند العرب قوة حربية تذكر إلا

ما عند هؤلاء، وبعد أن رأوا جميع كتاب العرب في مصر وسورية والعراق

يثنون عليهم ويدافعون عنهم، وليس عند العرب قوة أدبية إلا ما عند هؤلاء،

بعد هذا كله رجحوا سعاية المفسدين من البراهين الحسية، وأصغوا إلى

المرجفين بالخلافة العربية، فتقرب شياطين العهد السابق وأخلافهم إليهم، إذ

رأوهم يحسبون كل صيحة عليهم، وعاد محمد بك فريد والشيخ عبد العزيز

شاويش إلى مثل إرجاف سلفهما مصطفى كامل بهذه المسألة فأعادوها في

جريدتهم (العلم) سيرتها الأولى في جريدته (اللواء) .

ولما كان الشيخ عبد العزيز شاويش أشد غلوا وتهافتا من مصطفى كامل،

لم يكتف باتهام جماعة الدعوة والإرشاد بهذه التهمة، بل طعن في جميع مسلمي

العرب فكتب في جريدة (العلم) أن الدولة العلية لا يخشى عليها من البلغار ولا

من الروم ولا من الأرمن ولا من نصارى العرب، وإنما يخشى عليها من مسلمي

العرب خاصة.

ولأجل هذا الغلو قربته جمعية الاتحاد والترقي منها، وجعلته من دعاتها

وأعوانها، وأنشأت له مطبعة وجريدة يومية في الآستانة كانت تنفق عليها من

مال الحكومة زهاء 350 جنيها عثمانيا في كل شهر.

ثم جاءت الحوادث تكذب هذا الإرجاف؛ فإن الحكومة الاتحادية حاربت

عرب اليمن، ونكلت بعرب حوران والكرك، وعرضت عرب طرابلس

الغرب لنيران إيطالية، ومع هذه كله لم يزدد العرب إلا تعلقا بالدولة وإقداما

على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيلها. وما رأينا من الأمراء الذين أرجف بهم

اللواء أولا والعلم ثانيا والهلال العثماني ثالثا إلا النجدة العالية للدولة

والمساعدة التامة لها، وهي في أحرج مواقفها، وبعد هذا كله ترى كثيرا من

الناس لا يفقهون ولا يعتبرون، ولا يميزون بين المصلحين والمفسدين.

نعم كان العرب قد ظلوا على إخلاصهم للدولة ولكنهم ليسوا حجارة ولا

حديدا فتمر عليهم هذه الكوارث ولا تؤثر في نفوسهم، إلا أنها أثرت شر تأثير،

وهو أن اليأس من الدولة قد دب دبيبه إلى قلوبهم وخصوصا بعد حمل

الجمعية مولانا السلطان على حل مجلس المبعوثين الذي ضعفت فيه السلطة

الاتحادية، وتأليفهم مجلسا جديدا بقوة الحكومة بعد الضغط على الصحف وحرية

الاجتماع وغير ذلك.

يئسوا من عد الدولة إياهم عضوا صحيحا منها كإخوانهم الترك أولا، ومن

إصلاح الدولة ثانيا، ومن بقائها ثالثا، إلا أن تزول منها مفاسد الاتحاديين وتنشأ خلقا

جديدا. ومن العجائب أن يئوسهم هذه لم تدفعهم إلى القيام بمشروع ما لحفظ وجودهم

وحفظ سلطة الإسلام في الأرض، بل ظل لسان حالهم يقول: إن بقيت الدولة نعيش

معها بعز أو ذل كيفما اتفق لنا، وإن ماتت نموت معها، ولا خير لنا في الحياة

بعدها.

وإنني أذكر من شواهد اليأس الأول من هذه اليئوس ما سمعته من أحد

أفراد حزب الاتحاد والترقي من العرب بعد استعراض الجيش العثماني في

روابي الآستانة أمام ملك البلغار سنة 1328 وكنت حضرت هذا الاستعراض

في خيمة المبعوثين، فلما انتهى وأردنا الذهاب قال لي ذلك المبعوث

العربي الاتحادي: متى يكون لنا جيش منظم مثل هذا؟ فكانت هذه الكلمة كجذوة

نار وقعت في قلبي؛ إذ علمت أن هذا المبعوث الذي كنا نعد وجود مثله في

الاتحاديين سببا لحسن الظن بهم، قد أداه اختباره الصحيح لهم إلى الاعتقاد بأن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٧