تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(6) وقال بعض ظرفاء اليهود من الإفرنج: لم لا يتيه اليهود عجبا على سائر الأمم ونصف العالم المتمدن يعبد يهوديا والنصف الآخر يعبد يهودية؟ فليضحك القارئون، ولكن من تذكر أن الناس عبدت الحجر والشجر، لا يعجب من عبادتهم للبشر، فإن وثنية هؤلاء لا شك أنها أرقى من وثنية أولئك فليهنأوا بها وليبقوها لهم ليعرض الموحدون عن الضحك منهم، والازدراء بعقولهم، فيريحون ويستريحون، وإلا فليبشروا بالخيبة والفشل في إجابة دعوتهم إلى يوم القيامة، فإن عقول البشر الآن ليست كما كانت في أزمنة الجهل والغفلة وجاء في إنجيل لوقا (3: 22) أن الصوت الذي سمع من السماء بعد معمودية عيسى هو: (أنت ابني الحبيب بك سررت) وفي إنجيل العبرانيين زيادة هذه العبارة: وأنا اليوم ولدتك، ونقل يوستينوس هذا الصوت عن الكتاب الذي كان في زمنه يسمى مذكرات الرسل هكذا: (أنت ابني أنا اليوم ولدتك وذكر القديس أوغسطين المتوفى سنة 430 أن بعض نسخ إنجيل لوقا في زمنه كانت فيها أيضا العبارة هكذا (3: 22) أنت ابني أنا اليوم ولدتك بدل قوله الموجود الآن: أنت ابني الحبيب بك سررت، ولا تزال العبارة الأولى توجد بصورتها المذكورة هنا في نسخة بيزا Bezae وفي الترجمة الإيطالية القديمة توجد عبارة تقرب منها في المعنى، فمن ذلك يعلم أن العبارة كانت في الإنجيل كما نقلها يوستينوس عن المذكرات، ولكن لما استدل بها الموحدون من النصارى على أن المسيح ليس أزليا بدليل القول: (أنا اليوم ولدتك) الذي كان في نسخ إنجيل لوقا القديمة، وفي الأناجيل الأخرى الأولية وهو يفيد ولادته في يوم المعمودية لا منذ الأزل كما يزعمون كره النصارى المثلثون هذه العبارة وأبدلوها في الإنجيل بقولهم: (أنت ابني الحبيب بك سررت) ، (راجع كتاب دين الخوارق ص202 و204) فإن قيل: إذا صح قولك هذا إن أصل الصوت كان في الأناجيل: (أنت ابني أنا اليوم ولدتك) كما في رسالة بولس إلى العبرانيين (1: 5) فلماذا حرفوه في الأناجيل ولم يحرفوه في هذه الرسالة؟.

(7) قلت: لما كانت هذه الرسالة مكتوبة للعبرانيين أي اليهود كان الغرض من ذكر هذه المسائل فيها بيان نبوات العهد القديم الواردة في المسيح الذي كان ينتظره اليهود وتطبيقها على عيسى، كما هو ظاهر من الإصحاح الأول من هذه الرسالة، وجملة أنا اليوم ولدتك الواردة في هذا الإصحاح المراد بها الإشارة إلى ما في المزمور (2: 7) فإذا حرفها النصارى في هذه الرسالة ضاعت قيمتها؛ لأن لليهود حينئذ أن يقول لهم: (إن هذه الجملة لا وجود لها في كتبنا فهي ليست حجة علينا؛ لأنها من اختراعاتكم، فلذا تركها النصارى في الرسالة العبرانية وحرفوها في الأناجيل؛ لأنها فيها ليست إشارة إلى هذه النبوات القديمة، ولو حذفوا هذه العبارة من الرسالة بالمرة) وكان هذا العمل في الحقيقة خيرا لهم من إبقائها لو أمكنهم لقال اليهود: إن المزمور الثاني عندنا هو من أهم النبوات عن مسيحنا فأرونا أيها النصارى كيف تطبقونه على مسيحكم؟ وأيضا ربما أن هذه الرسالة كانت كثيرة التداول بين العبرانيين المتنصرين وغيرهم من الفرق الموحدة، وهؤلاء ما كانوا يعتقدون في المسيح الألوهية الحقيقية فلذا لا يهمهم تحريفها بأنفسهم في هذا الموضع؛ ولو حرفها لهم آخر فيه بالحذف لخاف الفضيحة منهم واتضح لهم أمره وغشه وكان بعض النصارى في بعض القرون الأولى يكرهون أيضا وصف المسيح بأنه نجار كما في إنجيل مرقس (6: 3) فحذفوا ذلك منه في كثير من النسخ حتى كان إربجانوس في القرن الثالث يقول: إن المسيح لم يسم نجارا مطلقا في أي إنجيل من الأناجيل التي كانت مستعملة في الكنيسة في زمنه، وكذلك توجد بعض نسخ خطية من إنجيل مرقس خالية من هذه التسمية؛ ولكنها توجد في جميع ما عثروا عليه من النسخ الأقدم من هذه النسخ المحذوف منها هذا الاسم (انظر كتاب دين الخوارق في الإنكليزية صفحة 199) فيعلم من ذلك ومما تقدم كله أن نسخ كتبهم كانت قليلة جدا لا توجد إلا عند بعض الرؤساء حتى باعتراف متعصبيهم (انظر كتاب الإعلام في حقيقة الإسلام ص65) وأنهم كانوا في كل عصر يتصرفون فيها بحسب ما يبدو لهم من الآراء والأهواء، إلا إذا خافوا في بعض المواضع الشهيرة جدا أن يفتضح أمرهم فيتركونها زمنا ما وهم على مضض منهم، حتى تتيسر لهم فرصة لإزالتها وتحريفها سرا أو تدريجيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٤٣