تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(3) حاشية: كان يوستينوس هذا يونانيا خاضعا للرومان ووثنيا وبعد دراسة طويلة للفلسفة اليونانية اعتنق المسيحية مصبوغة بالصبغة اليهودية واليونانية؛ لأن أكثر آرائه الفلسفية كانت مستمدة من كتابات فيلو اليهودي الإسكندري والاطلاع على أقواله في ولادة الله تعالى ابنه قبل جميع المخلوقات راجع كتاب دين الخوارق في الانكليزية (صفحة 456 - 460) والحق أن هؤلاء الوثنية المتنصرين هم الذين حملوا إلى المسيحية وثنيتهم القديمة فبدلوا دين المسيح على الحق وأفسدوه ومنهم انتقل إلى ذراريهم محرفا مبدلا فاسدا، واعلم أن أول من أخذ بعقيدة الثالوث من قياصرة الرومان هو ثيودوسيوس Theodosius جلس على سرير الدولة سنة 379 ومات سنة 395 ومنذ جلوسه أخذ في إكراه الناس على هذه العقيدة إكراها شديدا حتى زال التوحيد الحقيقي من بين النصارى وهو الذي كان فاشيا وقتئذ في نفس عاصمة الدولة (القسطنطينية) وبعد موته مباشرة انقسمت الدولة بين ولديه إلى قسمين، وفي سنة 476 ضاع القسم الغربي من دولة الرومان وانتهى أمره، فترى من هذا أن النصرانية الحالية لم تنتشر بسرعة بين الناس كما يزعم المبشرون ولم تدخل عقيدة الثالوث رسميا في الدولة الرومانية إلا في أواخر القرن الرابع مع وجود أمثالها عند كثير من الأمم الوثنية، ولم يكن انتشارها بين النصارى الأولين إلا بالإكراه الشديد، ومنذ دخول هذه النصرانية فيهم أخذت دولتهم في الضعف والاضمحلال كما قلنا حتى تلاشى قسمها الغربي سريعا بعد ذلك ثم تلاشى القسم الشرقي أيضا بأخذ المسلمين القسطنطينية سنة 1453، ولولا قوة الدولة الأوربية الآن التي بلغتها بأسباب عمرانية اجتماعية عديدة متنوعة لما قامت لهذه العقيدة قائمة، ومع ذلك ترى أكثر العلماء في أوروبا الآن قد أصبحوا ينبذونها نبذ النواة ويسخرون منها ومن معتقديها الذين جلهم من العامة أو من رجال الدين الذين لا صناعة لهم إلا الاحتراف به.

(4) إن شئت أن تعرف ماذا كان كتبة العهدين يريدونه في أكثر المقامات بالولادة من الله فاقرأ مثلا (يع 1: 18 و1 يو 4: 7 و5: 1 و4 و5 و3: 9 و5: 18 و19 و1 بط 1: 22 و 23) و (إنجيل يوحنا 1: 12 و13) ومن أكبر المصادمات للبداهة العقلية في عقائد النصرانية؛ وكلها مصادمات قولهم من غير أن يستندوا على شيء من كتبهم المقدسة إن أقنوم الابن قديم ممتاز عن الأب امتياز الأشخاص بعضها عن بعض منذ الأزل؛ ثم قولهم بعد ذلك كما في كتبهم: إنه مولود منه قبل جميع المخلوقات (كو 1: 15 ومي 5: 2) فلو كان امتياز شخصه أزليا لما كان مولودا ولو كان مولودا لما كان له وجود مستقل بشخصه منذ الأزل، وإلا فما معنى الولادة إذا وكيف تكون منذ الأزل؟ وما معنى اليوم في قول كتبهم: (أنا اليوم ولدتك) فإن كان شخصه مستقلا أزليا فكيف ولد في ذلك اليوم؟ وما معنى خروجه منذ الأزل كما قال ميخا (5: 2) أفلم يكن في الخارج ثم خرج؟ وإذا جاز ذلك فكيف تكون ذات الله عندهم غير قابلة للتفرق والانقسام؟ وكيف يبقى بعد ذلك جوهر الابن وجوهر الأب واحدا؟ (راجع أيضا كتاب دين الله ص 50) وإذا كان الابن قديما والله أب له منذ الأزل فكيف قال بولس عن لسان الله في حقه (عب 1: 5) : أنا أكون أي أصير له أبا وهو يكون لي ابنا، كما قال ذلك بعينه في سليمان (2 صم 7: 14) .

(5) وكيف يقول بولس أيضا (عب 1: 4) صائرا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما أفضل منهم، فهل مثل هذا الكلام يليق أن يقال في حق الله تعالى؛ وهل تصح مقارنته بالملائكة وإظهار أيهما أفضل؟ ألا يدل ذلك وغيره كما قلنا سابقا على أن كتبة العهد الجديد ما كانوا يعتقدون ألوهية المسيح حقيقة؛ بل ولا وجوده منذ الأزل بمعنى أنه لم يسبق بعدم إلا إذا كانوا يريدون أن جميع المخلوقات صادرة عن ذات الله تعالى أي أنها جزء من جوهره كأصحاب القول بوحدة الوجود Pantheism وذلك حقيقة هو ما يفهم من كثير من نصوص كتبهم إذا قورنت معا مثل (كو 1: 15 ورؤ 3: 14 وأف 4: 6 و1 كو 8: 6 و15: 28 وأع 17: 28 ورو 11: 36) وغيرها وبناء عليه يكون لفظ الولادة في اصطلاحهم مرادفا للفظ الخلق في هذا المقام، ويكون المسيح في اعتقادهم هو أول المولودات أو الأبناء أو المخلوقات على حد سواء، وهو وحيد (يو 1: 18) في الأولية والعظم والمقام والقدرة وغير ذلك مما أوتيه دون سائر العالمين على ما يزعمون، فكأن الأبناء الآخرين (تك 6: 2 و4 وتث 2: 19 و20) لا يعدون بجانبه شيئا؛ لأنه هو خالقهم المسيطر الذي سلطه الله عليهم جميعا كما يدعون (مت 28: 18 ويو 3: 35 و1 كو 15: 27) وعندهم من هذا القبيل أيضا تسمية إسحاق في التوراة بابن إبراهيم الوحيد (تك 22: 2 و16) مع وجود ابنه الآخر إسماعيل ولكنه ابنه من هاجر جارية سارة التي طردتها واعلم أن أمه مريم لم تسم أم الله Theotokos إلا منذ زمن أوريجانوس أي في القرن الثالث، وقد حارب هذه الفكرة في القرن الخامس كل من القس أناسطاسيوس ونسطوربوس أسقف القسطنطينية، ولكن لا يزال بكل أسف هذا الاسم مستعملا إلى الآن عند الكاثوليك الذين يصلون لها ويعبدوها إلى اليوم (راجع كتاب الحقيقة عن يسوع الناصرة ص99 و210) .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٤٢