تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غفرانكم للعاصين مثلي، الكافرين بكم.

2- وإذا لم يغفروا لمذنب تاب ورجع إلى الله وحده، فهل يغفر له أم لا؟ فإن

غفر الله له فما حاجة الناس إذا إلى طلب الغفران منهم؟ وكيف قال المسيح: (من

أمسكتم خطاياه أمسكت) وإن لم يغفر الله له فكيف وعد التائبين (راجع مثلا: حز

18: 21 - 24) بالغفران، ولم يشترط شيئا آخر غير التوبة والصلاح في جميع

كتب الأنبياء السابقين، أي حتى قبل عمل الكفارة المزعومة بصلب المسيح؟ فهل لم

يعلم الله في تلك الأزمنة بأولئك الآلهة الذين أشركهم - بزعمهم - المسيح معه فيما

بعد حتى استقل بالعمل وحده بدون مراعاة رضاهم على التائبين، فماذا يفعل إذا هم

خالفوه في ذلك يوم القيامة؟ وكيف تكون التوبة قبل هذه الكفارة أسهل منها بعدها،

فإنها كانت قبلها قاصرة على إرضاء الإله وحده، وأما بعدها فلا بد من إرضاء

غيره معه وهم كثيرون؟ تعالى الله عما يشركون، وكيف لا يقدر الله الغفور الرحيم

(مز 86: 5 وخر 34: 6) على الغفران بدون إذنهم حتى تكون مشيئته تابعة

لمشيئتهم: أما مشيئتهم فنافذة - بمقتضى وعد المسيح هذا - كالسهام بحيث لا تقف

أمامها إرادة الله نفسه، فهم إذا أقدر منه تعالى وأولى بالعبادة دونه وأحق، فأي

باعث على الشرك وعبادة البشر أكبر من ذلك؟ فالآلهة إذا عندهم ليسوا ثلاثة فقط،

بل هم كثيرون متعددون، فما معنى توحيدهم، وأي فائدة منه بعد ذلك؟ وأي ذل

واستعباد للناس أكبر من ذلك؟ وأي مبادئ أشد حضا من مبادئهم هذه على استبداد

رؤسائهم وطغيانهم وتصرفهم فيهم كما يشاؤون؟ وكيف بعد ورود مثل هذه العبارة

في الأناجيل ينكر مبشرو البروتستنت الآن أن كل ما حصل في أوربا في القرون

الخالية من مظالم رجال الكهنوت وغيرهم من رؤسائهم (انظر رو 13: 1 و2)

وأكلهم من أموال الناس بالباطل ومفاسدهم واستبدادهم وسفك الدماء والمذابح العظيمة

والشقاق الدائم بين فرق النصارى، وغير ذلك إنما هو كله كان من النتائج اللازمة

لتلك المبادئ التي قررتها كتبهم التي يقدسونها إلى الآن. وكيف يعقل أن عبارة

المسيح السابقة هي من عند الله؟ أليست هي مما اختلقته الشياطين ونسبوه كذبا

لعيسى عليه السلام، وهو منها ومن أمثالها - والله - لبريء [3] ؟ وإلا فكيف تتفق

هذه العبارة مع قوله عليه السلام لمن سألته أن يجلس ابنيها واحدا عن اليمنى

وواحدا عن اليسار في مجده، قوله لها: (وأما الجلوس عن يميني وعن يساري

فليس لي أن أعطيه إلا الذين أعد لهم من أبي) . (راجع متى 20: 23 ومرقس

10: 37 - 40) فإذا كان هو نفسه لا يمكنه أن يعطي شيئا إلا لمن أراده الله

فكيف إذا تعطي تلاميذه الغفران لمن شاءوا ويمنعونه عمن شاؤوا؟ إن هذا لأمر

عجيب!

وإذا كان النصارى يعتقدون قدرة التلاميذ على التصرف في الكون (مت 16:

19 و18: 18) وغفران الذنوب ودينونة الخلائق والملائكة يوم القيامة (1

كو 6: 2 و3) وأن كلمة أحدهم تنقل الجبال ولا يستحيل عليها شيء كما سبق

(مت 17: 20) فأي شيء أبقوه لله تعالى بعد ذلك كله سوى عمله بحسب مشيئتهم

وانقياده لأوامرهم ونواهيهم؟ وهل هذا هو التوحيد الذي جاء به عيسى وجميع

الأنبياء قبله؟ وهل إلى هذا الشرك والوثنية يدعون المسلمين الموحدين ولا يخجلون؟

فأي عقل أسخف من هذا؟ ومن الذي جن حتى يقبل ذلك منهم؟

ومما تقدم هنا تعلم حكمة بعثة محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الزمن الذي

بعث فيه، ومقدار حاجة العالم إليه وقتئذ، وحكمة إكثاره - قبل كل شيء - من

الدعوة إلى التوحيد الحقيقي والتنزيه بعد أن امتلأ العالم كله بالشرك والوثنية

والتشبيه والتجسيم، فهو إمام المصلحين وسابق المتأخرين منهم جميعا الذي أزال

غياهب الباطل وظلماته، ونشر الحق في الأرض ودعا لعبادة الله تعالى وحده،

فخلص الناس من الذل والاستبداد والاستعباد وساوى بين عباد الله أجمعين فمحق بذلك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٠٨